يوميات رجل لا يستيقظ فى الخامسة صباحا

يوميات رجل لا يستيقظ فى الخامسة صباحا
حازم شريف

حازم شريف

10:11 ص, الأحد, 13 أبريل 14

حازم شريف يكتب:


يبدأ يومه فى المساء.. يفضل دومًا أن ينتظر الصباح.. أن يرى بأم عينيه الشمس تشرق مرة أخرى، وكأنما لم يعد تكرارها لنفس الفعل آلاف المرات، يكفيه للتيقن من ابدية تلك العلاقة الثنائية الآثمة… «هو والكون».. أو «أنا والكون» كما تتجسد فى مُخيّلته.

يرقب من شرفته غير مكترث.. عشرات البشر يتوافدون على الطرقات، فى خطوات سريعة مرتبكة دائخة.. لا تعكس نشاطًا او إقبالاً على الحياة.. وإنما هرولةً من آفاق للتو من مس شيطانى على صراخ هستيرى لأم انهكتها أمومتها، أو صوتٍ أجش، لأب افقدت قسوة الحياة – أو كادت – قلبه الرحمة، أو رنين جهنمى فجائى لمنبه مزعج، لطالما سعى لاقتنائه كى يعذب به نفسه والمحيطين به، فى لذة سيكوباتية، يستعذبها الملايين.

يتابع حركة المرور المتصاعدة، وأصوات الباعة الجائلين المتناثرة المطالبة بالرزق، وحركة أيادى حراس المنازل والجراجات صعودًا وهبوطًا، تدعك هياكل العربات المتأهبة للانطلاق، ونعيق مدرس الالعاب الرياضية بالمدرسة المتاخمة، يهتف بحماس – مصطنعا- تحية العلم، وكلمات لنشيد وطنى، يرددها وراءه تلاميذه، فى بلادة – يحسدهم عليها التيوس – على انغام أغلبها خارج النوتة الموسيقية.

لم تعد أشكال النساء تثيره أو تستوقفه… فى الماضى السحيق، كانت رؤية مشهد الانفجار المبكر لبنات المدارس، وفورة طالبات الجامعة على الأسفلت، وقودًا لا ينضب، لاشعال البهجة فى اوصاله المتعطشة، بمرور الوقت، تقطعت اوصاله، وخفتت البهجة، وصارت لها روافد أخرى متعددة.

—————-

يتابعها منذ اللحظات الأولى لاستيقاظها.. شعرها متناثر فى كل مكان، يكسو تفاصيل وجهها، والوسادة المجاورة، وأطراف حوض الاغتسال، فرشتا شعره وحلاقته، معجون أسنانه وملابسه..وأطباق وأكواب وأقداح وقهوة وطعام وجبة الإفطار.

بنعومة وحرص المعتنى المتعبد لذاته… تلملم نهديها براحة يديها عدة مرات أثناء حركتها المتثائبة فى محيط الغرفة، قبل أن تسند هذه المسئولية الجسيمة لحمالة صدر مقاس 36 دى أو 38 سى.. لم يعد يتذكر.. تواترت النساء ومقاسات حمالات الصدر حتى صرن كلهن يتجسدن امرأة واحدة.

يتجول متسكعًا فى ارجاء المنزل ويعود لغرفة النوم عشرات المرات.. وهى ما زالت مستغرقة فى شبق عنيد عتيد لا ينكسر، فى تحسس تفاصيلها أمام المرآة، ثم يحين موعد مشهد «الفينالة».. قذف شذرات عطرها النزق لأعلى، والتقدم نصف خطوة للامام مع اطباق الجفون، لتتلقاها فى استرخاء مدمن الأفيون عقب تناول الجرعة.. هكذا تنصح صفحات العناية بالبشرة على شبكات الإنترنت النساء، حتى لا يتأذى جلدهن الحساس.

لا تنسى يوما طلاء أظافرها الحقيقية أو الزائفة، قبل ان تأوى ليلاً للفراش، ولا تحضير ملابس اليوم التالى، واستخراج خصلات شعر إضافية، للاستعانة بها إذا ما لزم الأمر، لتوفير المظهر المطلوب.

تعلن مغادرتها بقبلة وداع بيروقراطية، يسمع وقع قدميها – أو فى حقيقة الامر وقع كعب حذائها – على درجات السلم الخارجى.. تختفى وكأنها لم تكن موجودة أو لم تخلق قط.. لا يتبق لها أثر سوى برودة تسرى فى المكان.. وذكرى متآكلة للقاء حميمى ليلى، وروائح ممتزجة، للعطر و«الاومليت» والقهوة و«جيل» الاستحمام ومزيل العرق.

—————-

جفاف الصباح لعنة المستيقظين.

الجفاف يهيمن على كل شىء، الحلق، الشفاه، حدقة العين، الأنامل، الطقس، الأحلام، المشاعر.

من العسير على السهران مثله، استيعاب هذا التحول من سخونة الليل المستعرة، لجفاف الصباح المدقع بسهولة.

يبدو الجفاف طبيعيًا، للمستيقظ حديثًا على مضض، هو أصلا فى هرولته لا تشغله مثل هذه التفاصيل، يتعايش معها، كأمر واقع، قَدَر لا يمكن الفكاك منه، حالة متكررة يوميًا، تحاصره فى مرحلة لهاث، لا وقت فيها للتأمل.

أما هؤلاء من ينامون مبكرًا جدًا، لمجرد فقط ان يستيقظوا مبكرًا، فهم بشكل ما مثله، ولكن بصورة عكسية. يستشعرون الجفاف ليلاً والدفء صباحًا، وتتشابه – فيما عدا استثناءات – عاداتهم الصباحية مع طقوسه الليلية، وروتينهم الرتيب، مع جنونه المعتاد، يغالبهم النعاس ليلاً كما يداهمه نهارًا، يلتقون أحباءهم على وجبة الغداء، كما يلتقى احباءه على العشاء.. يختلفون عنه فى علة واحدة، حين يزاولون القراءة ويسمعون الموسيقى، حتى يأتيهم النوم، فى حين يمارسهما لشغل أوقات رحلته الممتعة لصباح اليوم التالى.

ميزته التنافسية العظمى.. أن باستطاعته مباغتة عشيقته بدعوة لأمسية راقصة يوميا.. ولا يملكون هم ذلك سوى فى عطلة نهاية الأسبوع.

يرتدى عدساته الشمسية، كوسيلته الوحيدة لمكافحة الجفاف الشامل، ونعاس يتسرب اليه تدريجيًا بفعل نسيم جهاز تكييف السيارة البارد صيفًا وشتاءً، ويدفع نفسه دفعًا أمام عجلة القيادة… فقد حان وقت الذهاب إلى العمل.. ساعتان على الأقل من بداية موجة ذهاب المستيقظين صباحا لأشغالهم.

—————-

يحلو للأطباء المتسربلين بالدين، والشيوخ المستترين بالطب، والاعلاميين الملتحفين بما يستطيب أن يسمعه جمهور «الكنبة».. ترويج محاسن النوم ليلا، وتجريس مساوئ النوم نهارا.

فى غمار ذلك، يسوقون الحجج والادلة من الابحاث العلمية، ويسرفون فى استنباط البراهين الإلهية، لتدعيم وجهة نظرهم المقولبة. بل يصلون أحيانًا إلى تأثيم من يخالفون ناموس الطبيعة، فيدعونهم للتوبة والهدايا، مع مدمنى الخمر والمخدرات وممارسى اللواط، ومزاولى الزندقة والهرطقة.

كم رغب أن يصرخ فى وجوههم جميعا، أن يصيح فيهم بعلو صوته منبها: ما أحلى وصل نوم القيلولة ببضع ساعات ليلية، لو جربتموه واعتدتم عليه، لما تكبدتم مثل هذه المجهودات الخرافية، والأموال الإضافية، لمحاربة ما جعلتموه يضاهى أسطورة طائر الرخ البائدة.

ثم.. ألستم أنتم من تعظمون من شأن الجندى الساهر على الحدود وفى ميدان المعركة، والشرطى المتجول بدوريته حتى الصباح الباكر، والطبيب المؤدى لواجبه بقسم الطوارئ، والفنان الذى تستخدمه السلطة دائمًا فى الدعاية، وقلما يبدأ يومه قبل الرابعة عصرًا، والإعلامى الذى يصيغ وعى الجماهير، فى برامج حوارية من طرف واحد، تنتهى فى مواعيد تتجاوز بكثير، ما تبشرون به من توقيتات نومكم المثالية.. دون أن نسمع منكم عبارة واحدة، توصم أيًا من هؤلاء، بضعف التركيز والذاكرة، وسرعة الغضب، والغثيان، كما تشخصون حالة غيرهم من الساهرين.

ينغمس فى غيبوبة ضحك، كلما تذكر مطالبة المرشح الرئاسى للجماهير بالاستيقاظ معه فى تمام الخامسة صباحًا… لا يزعجه أن يضبطه العسس، فهو حتمًا سيكون حاضرًا فى الموعد المطلوب.

يراوده فجأة هاجس، أن يقترح أحدهم سن تشريع، ستحتفى به حتمًا الإرادة الشعبية والمواطنون الشرفاء، يلزم السلطات بالتحقق من استيقاظ المرء تنفيذًا للتوجيهات، لا مجرد وجوده كجثة يغالبها النعاس ويكاد يقتلها الأرق، لا تسمن ولا تغنى الوطن من جوع.. يستبعده على سبيل بث طمأنينة – مطعون فيها – فى قلبه.

—————-

.. وأخيرًا عادت… هى الآن أكثر حماسًا، وجاذبية، واتقادًا.. امرأة لا تمت بصلة، لتلك التى كانت معه صباحًا، وما ستكون عليه فى مطلع الغد.

مساحيقها تخلصت من وجهها الشاحب المستيقظ قصرًا، نعم أعادت وضعها عدة مرات على مدار اليوم، ولكن وجهها الليلى المشع بالحيوية، يضىء ألوانها التى لم تتغير، الماسكرا نفسها، والبودرة، وطلاء الشفايف، وأدوات التجميل الأخرى، التى حرص دائما على ألا يهتم بحفظ اسمائها وأسباب اقتنائها، حتى لا تتكشف أسرارها له، فتفقد إثارتها.

قُبلتها ليلاً لها وظيفة عضوية.. فى الصباح تتماهى نوعية قُبلتها كثيرًا مع توقيع الموظف المضطر بكشف الانصراف.. بشرتها وأطرافها فى حالة انبساط عجيبة. دفئها المسائى يمنحك الحياة، دفئها اللزج المختلط بالعرق عندما تستيقظ، يشعرك بالبرودة المحيطة بالمستلقى حيًا بقبر، فى عز الصيف.

ينتهى اللقاء، تذهب فى غفوتها الدورية، يفض اشتباك جسديهما فى رقة، ويغتسل فى لهفة المشتاق، لقضاء أمسية ممتعة مع ذاته بصحبة موسيقاه وكتبه، دون أى منغصات خارجية.

ألحت فى الصباح فى طلب الزواج؟ يا لها من حمقاء…لو سألته أى شىء فى حضرة مملكته الليلية لما رد لها مطلبًا!

أشاح بوجهه، حاصرته ببلادة «السائرين نياما» على ايقاع نشيد الصباح المدرسى الذى زلزل زجاج النافذة… أجابها بعينين زائغتين، بنبرة من لا يستحسن الكذب والمراوغة: الوقت غير موات، لا أريد أن يشغلنى شىء، أى شىء، عن اعتكافى على العمل، ومساهمتى مع الجميع، فى إعادة عجلة الإنتاج للدوران من جديد… كفانا تعطلاً… كفانا!

تعجب كثيرًا لما ارتجله لسانه للتهرب، خاصة عندما تملكته كل طاقته المسرحية دون وعى منه، وهو يردد كلماته الباترة «كفانا تعطلا…. كفانا»!

أومأت برأسها غير مبالية، وانصرفت لمتابعة جسدها أمام المرآة.. نثرت شذرات عطرها، تلقفتها فى نهم، طبعت قبلتها على فمه، وهرولت منصرفة لمتابعة الأعمال.

شرد فى المجهول على صوت وقع أقدامها على السلم الخارجى… ومنّى نفسه فى خبث، ان تثرثر بكلماته عن جدول أولوياته خلال المرحلة الحالية، امام معارفها المتنفذين، فى دوائر الأجهزة الأمنية! 

حازم شريف

حازم شريف

10:11 ص, الأحد, 13 أبريل 14