من المرجح فى السياق الدولى والإقليمى للتغيرات الدراماتيكية حول ظروف الاستقطاب فى النظام العالمى، وعلى النحو المشهود فى السنوات الأخيرة، أن تنعكس هذه التطورات الجارية ضمنًا على مستقبل منطقة الشرق الأوسط، والصراعات بشأنها بين قومياتها الرئيسية، العربية والفارسية- والطورانية والعبرانية، ومن ثم لما يتصل بتراجع الغايات العليا «غير الواقعية» من جانب المشروع الصهيونى، المرتبط تباعًا ولقرون خَلَت- كالتابع الذليل- بالقوى الأكثر انكشارية فى العالم، بأقله.. منذ أن كان أحد أهداف الحملة الفرنسية على مصر عشية القرن18.. توطين اليهود فى فلسطين، كتصدير أوروبى للتخلص من مشكلة «اليهودى التائه»، ومن بعد فى سياق «عصر الأنوار» (قضية دريفوس)، ذلك قبل أن تنحسر الانكشارية الفرنسية عن المنطقة لصالح نظيرتها اللدود- البريطانية- التى تولّت دعم الحركة الصهيونية حين اختصت برعاية اليهود والدروز، بالتزامن مع قيام القائد المصرى «إبراهيم باشا» إعادة فتح القنصليات الأجنبية فى مدينة القدس 1832، وليكون من اللافت آنذاك تصريح وزير الخارجية البريطانى «جلادستون» بألا تقع فلسطين من بعد «فى أيدٍ غير صديقة»، ذلك قبل نصف قرن من تزامن الاحتلال البريطانى لمصر 1882 مع بدء موجات الهجرة اليهودية (الييشوف الأول والثاني) إلى فلسطين على حدود مصر الشرقية، وإلى أن صدر «وعد بلفور 1917» بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، ولتقود مصر المعارضة العربية من خلال مؤتمر لندن1939.. لزرع إسرائيل بالتزامن مع انتهاء الانتداب البريطانى لفلسطين عام 1948، حيث نالت منذ ذلك التاريخ دعم معظم القوى الإمبريالية (البيان الثلاثى الغربى 1950)، ما مكنها من الاستيلاء بالحرب مجددًا على كامل أراضى فلسطين التاريخية 1967، قبل ست سنوات من بدء دوران عجلة التسويات العربية- الإسرائيلية.. بدءًا بمصر 1975، ومع الأردن والفلسطينيين تاليًا فى منتصف التسعينيات، وما كاد العالم يتهيأ لغسل الأيدى من المسألة الفلسطينية- الإسرائيلية.. إلا ويستأنف اليمين المتشدد فى إسرائيل القفز إلى رئاسة الحكومة مجددًا مع مطلع الألفية الثالثة الميلادية، ولنحو ثلاثة عقود تالية تجمدت خلالها عملية السلام فى سياق المفهوم الإسرائيلى لاستكمال الدولة الصهيونية الكبرى، وفى ضوء انحياز مطلق أميركى لإسرائيل الخاضعة كقرة قوز (أراجوز) للانكشارية الكونية للولايات المتحدة، فيما الجانب العربى سادرًا فى قبول التطويع الأميركى لمعظم مقتضياته القومية منذ منتصف السبعينيات إلى أن اشتبكت فى السنوات الأخيرة مع التحولات الجارية لظروف الاستقطاب الدولى والإقليمى.. التى تدفع ربما بكافة الأطراف المعنية ذات الصلة بالأزمات العربية، وبالقضية الفلسطينية، فضلًا عن أوضاعهم الداخلية، نحو مراجعة مواقفهم بشأن تسويات دبلوماسية على عتبات جبهات متفجرة، ربما على نحو عادل ودائم، قد تُمليه ضرورات توازنات عالمية وإقليمية جديدة، الأمر الذى أجادت قراءته الدول العربية المشرقية، بخاصة، فى مؤتمر جدة، وبحضور الرئيس الأميركى فى يوليو 2022 إذ يؤكد بيانه الختامى استقلالية القرار العربى من حيث تأكيد التسوية العادلة للمسألة الفسطينية بناء على «حل الدولتين»، وعلى أهمية مبادرة القمة العربية للسلام 2002 (الأرض مقابل السلام)، وعلى احترام الوضعية التاريخية لمدينة القدس، لكن دون إشارة إلى تحرك دبلوماسى قادم وفاعل، ربما لإبقاء توظيفها أميركيًّا رهنًا بصراعات المنطقة التى تبدو بمفترق طرق، إما إلى الانسداد أو إلى بلورتها عبر مواقف عربية فعالة، فيما لم يأت فى سياق البيان ما يشير إلى تحالف عسكرى مع أميركا وإسرائيل (ناتو عربي).. ليكون جزءًا من محور مضاد لإيران، المنخرطة حاليًّا فى حوارات ومقاربات جادة مع دول عربية هامة (..)، كما لم يُستدرج مضمون بيان جدة إلى ما من شأنه مناصرة الغرب فى مواجهة روسيا والصين المرتبطتين بمصالح هامة وعلاقات طبيعية مع العالم العربى، ومصر على وجه الخصوص، وليس آخرًا فيما اتخذه العرب من حياد إيجابى بشأن تحقيق أمن الطاقة واستقرار أسواقها، ما يمثل أحد عناصر القوة الإضافية العربية تقارب مواقفهم خلال الصدمة البترولية العالمية الأولى1973.. ما يبلور معايير للدول صاحبة السيادة فى استخدام مواردها الحقيقية لتأخذ مكانتها فى النظام العالمى الجديد والمرتقب، وفقًا لديناميكياتها، سواء على الصعيد الوطنى أو العالمى، وعلى نحو أكثر عدلًا وإنصافًا من النظام الدولى الأحادى القائم منذ ثلاثة عقود خَلَت فشل خلالها فى إدارة العالم، الأمر الذى سوف ينعكس عاجلًا أو آجلًا فى تحريك الجهود الدبلوماسية لتسوية الأزمات العربية الراهنة، فى مقدمتها إحياء الجبهة الشرقية عبر تحييد تركيا وإيران، سواء لصالح القضية الفلسطينية، أو من خلال قمة طهران الثلاثية، مع روسيا، فى 17 يوليو الحالي، بشأن سوريا، أو سواء فى توحيد (الكاظمي) للقوى العراقية فى مواجهة تركيا التى تشكو من تباطؤ إجراءات مصر فى تحسين العلاقات معها، ذلك فى الوقت الذى تعانى إسرائيل من مشاكلها الداخلية ومن الفراغ السياسى والحكومي، وبالتوازى مع إعادة الغرب اكتشاف المنطقة فى ضوء صعود مصر «العربية»، مقارنة بالفُرس والعبرانيين والطورانيين، ولتتصدر من ثم جهود استقرار الشرق الأوسط الجديد «والموسع».
* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات