لم تلتقِ القاهرة وموسكو على الصعيد الإستراتيجى.. إلا فى منتصف خمسينيات القرن الماضى، ذلك من بعد استئناف الدولة العبرية الناشئة منهجها التوسعى بالاعتداء على قطاع غزة- تحت الإدارة المصرية- فبراير 1955، وبالتزامن مع إحجام الولايات المتحدة عن تزويد مصر بالسلاح إلا ما يناسب قوات البوليس فحسب، ما أدى إلى توجه الإدارة المصرية إلى طلب السلاح من الاتحاد السوفيتى، مع إيفاد فريق مفاوضاتها برئاسة اللواء «حافظ إسماعيل» الذى خطط لفلسفة تسليح وتنظيم الأفرع الثلاثة للقوات المسلحة؛ البرية والبحرية والجوية، عماد جيش مصر الحديث، ذلك قبل عام من حرب السويس (العدوان الثلاثى 1956)، حيث تصدّت بواكير السلاح الروسى فى أيدى المصريين فى مواجهة المعتدين وهم يجوسون فى حجرات الوطن صخبًا وتدميرًا، ليتأكد مع دحر الغزاة (بريطانيا- فرنسا- إسرائيل) مواجهة روسيا- لأول مرة- الأسطول السادس الأميركى فى المياه الدافئة للشرق الأوسط- المجاور للحدود الجنوبية الحساسة للاتحاد السوفيتي- إيذانًا بتوقيع اتفاق بناء المرحلة الأولى للسد العالى بين القاهرة وموسكو ديسمبر 1958، رمزًا لصداقة امتدت بينهما لتسعة عشر عامًا، قبل فض معاهدة الصداقة والتعاون فى العام 1975، حين أحرق الرئيس «السادات» جميع الجسور المؤدية إلى الروس حتى لم يعد لمصر سوى خيار التفاوض مع إسرائيل فى معية الولايات المتحدة- بديلًا وحيدًا عن القوة، الأمر الذى لم تتيقن القيادة المصرية من خطورته إلا فى العام 1981، مع تعدد مراوغات إسرائيل التفاوضية، لكن بعد فوات الأوان، سواء برحيل الرئيس المصرى أو باشتراط واشنطن على خليفته ضمن نقاطها الحمراء وفق تصريحات كبار مسئوليها (..)”عدم التقارب مع الاتحاد السوفيتى أو مع أى من الدول الراديكالية فى المنطقة”، وإلى أن انتهت الحرب الباردة 1989 لصالح الغرب، حيث كان لمصر أدوار غير مباشرة فى ذلك، سواء بـ«طرد» النفوذ السوفيتى منها، ومن ثم إلى التخلى عن المنطقة أو سواء بالدور (الجهادي) الضخم الذى لعبته لاستنزاف الجيش السوفيتى فى أفغانستان حتى انسحابه 1989 قبل عامين من تفكك الاتحاد السوفيتى عشية العام 1992، ولتصبح روسيا المركزية «المنفتحة» بديلًا عن الاتحاد السوفيتى السابق، لربما كانت «لعبة سياسية» فى تقدير بعض النافذين آنئذ من المسئولين الروس، ومع عودة العلاقات الدبلوماسية مع موسكو (بموافقة ضمنية أميركية)..
لم يكن لدى الرئيس المصرى سوى إلقاء اللوم وصبّ اللعنات فى جلساته الضيقة على ما ارتكبه الرئيس السوفيتى الأخير (جورباتشوف) فى حق بلاده، والعالم، كما لم يعد يملك من بعد غير توجيه النصح- بشكل علني- للرئيس «بوتين» لتجديد رئاسته لفترة ثالثة، بالمخالفة للدستور، مما كان موضع استياء الدوائر الغربية الليبرالية آنئذ، ومن قبل أن تمضى مياه غزيرة تحت الجسور إلى أن اندلعت ثورات الربيع العربى (غير الملونة) فى 2011، قبل عامين من ثورة مصر فى 2013 التى سرعان ما أعادت رسم العلاقات مع روسيا بعد نحو أربعة عقود من تراجعاتها المطردة، ذلك ابتداءً من إقرار المنظومة 2+2 بين وزيرى الخارجية والدفاع فى البلدين، إيذانًا بتطور العلاقات الثنائية من بعد إلى آفاق غير محدودة فى جميع المجالات، بما فيها المشروعات العملاقة بين البلدين، وحيث يعرب الرئيس المصرى نهاية ديسمبر 2021 عن التطلع لتعميق العلاقات مع روسيا التى من المنتظر استضافته فى منتصف العام 2022، فى زيارةٍ هى الأكثف له بين عواصم العالم الأخرى، فضلًا عن انتظام الاتصالات الهاتفية بين الرئيسين فى إطار متابعتهما الحثيثة للمستوى المتميز من العلاقات بين البلدين، وكأن هناك صوتًا يتردد من وراء الغيب عن سفيرنا السابق فى موسكو «حافظ إسماعيل» حين يوجه النصيحة فى كتابه «أمن مصر القومى» للمصريين، لتجاوز القطيعة بين البلدين، وفى الإبقاء على «علاقات دافئة» بين الشعبين، فى عود على بدء بين مصر وروسيا.