منذ وعد “بلفور 1917” بإقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين تحت الانتداب البريطانى، إذ تنقسم المسألة الفلسطينية- الإسرائيلية بين دولتين مفترضتين.. أقرّتهما الأمم المتحدة فى نوفمبر 1947، إلا أن الدول العربية رفضتهما لأسباب داخلية وقومية، الأمر الذى صادف صِنوه من جانب إسرائيل- كمجتمع حرب- يفرض السلام على العرب من مركز القوة، وفى إطار هيمنتها على كامل أراضى فلسطين التاريخية فى يونيو 1967، لكن مع القبول العربى بالاعتراف المتبادل مع إسرائيل وفق القرار الأممى 242 فى نوفمبر..
إلا أن الأخيرة راوغت بشأن تطبيقاته إلا بشروطها، ولنحو نصف قرن تال، عانت خلاله القضية الفسطينية المزيد من التجميد، إما بسبب التطرف العربى القاصر، ولدواعى الاستهلاك المحلي،
وإما بسبب الإنحياز الأميركى لإسرائيل بالتوازى مع تلكؤ “خطواتها” على صعيد الأساليب الإجرائية للتسوية السياسية لحين استكمال هيمنتها على مجمل منطقة الشرق الأوسط؛ بوصفها الجائزة المعلَّقة فى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وحلفائهما، منذ العام 1947،
ما شجع على تناسل قوى إقليمية اتخذت من تبنّيها للقضية الفلسطينية.. المبرر لإحراز قصب السبق نحو وضعية إستراتيجية داخل الإقليم، يؤهلها لمركز دولى متميز، والعكس صحيح، خصمًا من الرصيد العربى المرتبط فى معظمه بالسياق الغربي،
فيما تكتسب إسرائيل مزيدًا من الوقت يسمح لها باستكمال الغايات العليا للدولة الصهيونية الكبرى، من النيل إلى الفرات، وبحيث لم يعد للفلسطينيين من نصير حقيقى سوى سواعدهم، وتعليمهم، والمضاعفة الديموغرافية- إلى حين تحقيق حلم الدولة الفلسطينية التى هى أيضًا بمثابة الدولة الحاجز لمصر فى وجه أطماع صهيونية للسطو على دورها الإقليمى والحضارى.
إلى ذلك، لم تعد التسويات الجزئية للصراع العربى- الإسرائيلى، كافية لإقرار سلام لا ينبغى أن يستقر دون أن يشمل الجميع، ولئلا يأتى من القمة إنما ينبع من الجذور، أى ما بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلي،
بما فى ذلك تطبيق الاتفاقات والقرارات الدولية السابقة، ومن خلال استئناف عقد مفاوضات حقيقية لإنهاء الاحتلال طبقًا لمبدأ “حل الدولتين” على خطوط العام 1967،
إذ بدونه سوف يتدهور الوضع الحالى للنزاع فى الأرض الفلسطينية إلى حد اندلاع انتفاضة ثالثة كأمر وارد نظرًا لتعنت إسرائيل.. ومن التسويف الأميركي،
فيما سوف يدفع المدنيين من الفلسطينيين والإسرائيليين ثمنًا باهظًا جراء استمرار الاحتلال الذى طال أمده، ومع إقرار واشنطن بذلك إلا أنها تحمِّل غياب جهودها على عاتقهما،
ومن دون أن تحسم احتكارها للوساطة بينهما، مفسحة الطريق لضغوط أوروبية من جانب موسكو على إسرائيل لإثنائها عن مراوغاتها، وعن غلّ يدها لمصافحة اليد الفلسطينية الراغبة فى تطبيق متبادل لبناء الثقة بينهما، لولا المماطلات الأميركية، ما يدفع الرئيس الفلسطينى للتوجه إلى موسكو 22 نوفمبر الحالى للقاء نظيره الروسى.. بهدف إحياء عملية السلام، ولتفعيل دورها الهام لتنشيط مساعى “الرباعية الدولية”،
خاصة من بعد استئناف موسكو المشاركة (عبر شرق البحر المتوسط) فى الأساليب الإجرائية للتسوية منذ منتصف العقد الأخير.. مما سبق أن أُقصيت عنها فى منتصف السبعينات، وأدى إلى جمودها المشهود نحو “حل الدولتين” ما بين التجريب الثنائى والتباطؤ الأميركى.