تبدو بريطانيا وكأنها بصدد محاولة الصعود مجددًا إلى سطح المسرح الدولى، بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية، منتصرة، تجر أذيال “الخيبة والفشل عن مستعمراتها التى لم تكن تغيب عنها الشمس منذ ثورتها الصناعية نهايات القرن الثامن عشر، قبل أن تتحول بعد الحرب تابعًا للولايات المتحدة طوال النصف الثانى للقرن العشرين إلى اليوم، لكن دون تراجع سياستها الخارجية- كنموذج- يحتذيه الآخرون، خاصة الأميركيين، لما تتميز به من الحكمة والبراعة، بدل أن تسودها الانفعالات السياسية والاعتبارات المحلية كما يحدث لغيرها من دول العالم، ما ساعدها للتكيف مع ما يعترى إمكانيات دورها من تدهور كدولة عظمى، ولتنشد بالرغم من تراجعها.. مجابهة مسئوليات ضخمة بوسائل باتت محدودة جدًّا من بعد تقلص عناصر قوتها فى الوضع الدولى، لولا تعاونها مع الولايات المتحدة فى الإطار الأنجلوساكسونى للدفاع معها عن قضايا مشتركة، سواء فى الحرب الباردة 1947 – 1989 مع المعسكر الشيوعى أو لتضامنهما فى عهد «ريجان/ تاتشر» لتصدير «قلق الأيديولوجيا» إلى داخل المنظومة السوفيتية بهدف إسقاطها خلال الثمانينيات كحد أقصى، أو لانتهاجهما فى التسعينيات ما يسمى جيوسياسيًّا «الطريق الثالث» فى عهد «كلينتون/ بلير»، قبل أن يقدما فى غيبة موافقة الأمم المتحدة على غزو العراق 2003، ناهيك عن الصفقة التجارية بينهما مقابل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، فى عهد شعبوية «ترامب» الذى أطلق على نفسه لقب «السيد بريكست»، وليتابع خليفته «بايدن» – الأميركى من أصول أيرلندية- ممارسة دور أكبر فى مختلف التحالفات والتحركات من خلال الشراكة الأمنية الرباعية الأنجلوساكسونية «أوكوس» 2021 مع كل من أستراليا وكندا (تحت التاج البريطاني)، ومن غير استثناء التزامهما بالتصدر الحماسى فى المسألة الأوكرانية، فى مواجهة الصعود الروسي- الصينى، إلا ما يمكن قوله عن المملكة المتحدة وهى بصدد مباشرة دور عسكرى أكثر اتساعًا فى الشرق الأوسط، خاصة مع دول «شرق السويس» التى تعهدت لها رئيسة الحكومة البريطانية السابقة تريزا ماى، عند زيارتها، بالدفاع عنها، اتصالًا بدورها التاريخى فى ضمان أمن ما كانت تسمى «المحميات البريطانية» قبل الانسحاب منها فى العام 1968 إلا من وشائجها القديمة بعوائل المنطقة التى ما زالت ممتدة بأجيالها المتعاقبة، ربما لتعويض انحسار الولايات المتحدة التدريجى عنها، ما دعا «جون ميجور» رئيس الحكومة البريطانى الأسبق للتصريح فى وقت سابق عن دور بريطانى لملء الفراغ الناتج عن التخلى الأميركى فى الشرق الأوسط، خاصة من بعد تحول الإستراتيجية الأميركية الدفاعية نحو المحور الآسيوى والمحيط الهادى، المنطقة الأهم إستراتيجيًّا واقتصاديًّا فى العالم خلال القرن 21، الأمر الذى يدفع أصدقاء أميركا فى الشرق الأوسط إلى مراجعة أولويات علاقاتهم مع القوى والتكتلات الدولية البارزة، خاصة مع اقتراب نهاية الهيمنة الغربية فى السياسة والاقتصاد، لصالح التعددية القطبية، من بعد فشل الأحادية الأميركية لثلاثة عقود خلت، ناهيك عن التحديات الداخلية التى يواجهها النظام الأميركى من حيث انسحاق الطبقة العاملة والطبقة الوسطى فى ظل «حكم الأقلية» المسيطرة على الثروة والسلطة، ما يمثل خللًا اجتماعيًّا لم يغب عن بريطانيا تلافيه إلى حد كبير من بعد الحرب العالمية الثانية، إذ يصعِّد الناخبون «كليمنت آتلى» زعيم حزب العمال ليرأس الحكومة بدلًا من «ونستون تشرشل» زعيم حزب المحافظين، المنتصر فى الحرب، ما أتاح للمملكة المتحدة طوال ثلاثة أرباع القرن أن تلعب دورًا أكبر من إمكانياتها فى مختلف السياسات الدولية، ما يدعو للتساؤل عن الوجه الجديد الذى تنتويه بريطانيا إزاء العالم، ليس آخرها- من حيث الأهمية- التصدى لإقالة عثرات الأفول الأميركي- الغربى.
* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات