نقطة نظام.. تركيا «السيريالية».. من العثمانية إلى الجمهورية.. وبالعكس

نقطة نظام.. تركيا «السيريالية».. من العثمانية إلى الجمهورية.. وبالعكس
شريف عطية

شريف عطية

12:04 م, الخميس, 25 فبراير 21

من بعد قرون تشكلت خلالها دولة «بنى عثمان»- كطفيلية حضارية على حساب الأمم المتاخمة، وصفها قيصر روسيا نيقولا الثاني1853 – لأول مرة- «رجل أوروبا المريض»، ذلك قبل نحو سبعين عامًا لأن يصبح هذا الرجل المريض «الجمهورية التركية»، لتمثل عندئذ إحدى الدعائم الغربية للاستقرار فى الشرق الأوسط الذي يضرب به المثل لفقدان الاستقرار، ما جعلها طوال القرن التالي.. الدولة الوحيدة غير الأوروبية وغير المسيحية التى قُبلت بكل من فى العائلة الدبلوماسية والعسكرية الغربيتين، إضافة إلى دورها الراهن فى الشئون الدولية، خاصة فى الفترة ما بين الحربين العالميتين، ونهاياتهما، بالتوازى مع تغيير عميق لتوازن القوى فى شرق أوروبا والشرق الأوسط، حيث الأهمية المطّردة للمضايق التركية التى طالما تطلَّع نحوها القياصرة والسوفيت بسيان، إذ هى على بُعد مائة ميل من المواقع الروسية (عند الحدود البلغارية)، كما إلى شرقى البحر المتوسط- بعد أوروبا- كهدف رئيسي للإستراتيجية السوفيتية، التى حاولت كذلك فرض الوصاية على ليبيا (مؤتمر بوتسدام)، الأمر الذى ظل محل سجال متبادل للتنازع بين تركيا- فى السياق الغربي- والمطالب الروسية، لم تنقطع عرى الاهتمام به إلى اليوم، ذلك فى الوقت الذى لم تكن مصر بعيدة عنه طوال تلك الحقبة، إذ رفضت فى العام 1951 قبول الانضمام إلى قيادة تنظيم دفاعى غربى فى شرق البحر المتوسط.. يكمل التنظيم الأطلسى (قام بغزو ليبيا بعدئذ في 2011)، ما أدى بالرفض المصرى (سابقًا ولاحقًا) إلى إخفاق محاولات إقامة قيادة الشرق الأوسط.. التى دلت على أن نظام الدفاع لا يمكن أن يفرض من الخارج، بما فى ذلك تفكك وانهيار حلف بغداد (1955) من العراق وتركيا.. انضمت إليهما بريطانيا والباكستان وإيران، وتفرعت عنه لجان بمشاركة الولايات المتحدة، إذ قوبل الحلف وقتئذ بمنافسة شديدة غير مسبوقة أو لاحقة من جانب قيادة عسكرية مشتركة بين مصر وسوريا والسعودية والأردن واليمن، ما أفشل مخططات تركيا فى السياق الغربى لتطويع العالم العربى، إلا أنها ظلت مؤمنة بعضويتها فى الحلف الأطلسى، تتحين الفرصة تلو الأخرى للمضي- بمساعدته- لاستئناف أهدافها التوسعية بشكل أو آخر، وذلك من خلال أداء نخبة تركية من الحكام ذات خبرة قديمة فى شئون العالم، تكونت لديها- كبريطانيا- لفرط طول عهديهما الاستعماريين فى مختلف قارات الدنيا، وإن ظلت تركيا رغم تعدديتها الحزبية أسيرة النزعة التسلطية للحزب الواحد، الأعمق جذرًا فى نظامها السياسى، إلى أن تهيأ لحزب العدالة والتنمية 2002 وفى ضوء الاتجاه الغربى لأسبابه فى الاستخدام السياسى للإسلام (المعتدل)- البقاء فى الحكم لعقدين متتاليين إلى اليوم، مارست خلالهما تركيا دورًا رئيسيًّا فى فوضويات ما يسمى «الربيع العربى» – لا تزال- إلا أن دخول روسيا مجددًا فى العام 2015 منطقة شرق البحر المتوسط، كحقيقة عسكرية وسياسية ثابتة أجبرت تركيا الأطلسية على مراجعة حساباتها لمواءمة التنافس القديم الجديد مع موسكو، سرعان ما تحول إلى تفاهمات برجماتية كان من الطبيعى أن تكون خصمًا من انتماءاتها الغربية، أشبه ما تكون بدور (الأراجوز) بينهما، وأقرب إلى لاعب السيرك فوق سلك مشدود.. لو عبرته سالمة كما تأمل، لأصبحت عندئذ جسرًا إستراتيجيًّا ذا وزن دولي وإقليمي بين الغرب والشرق، أو أن تسقط دون ذلك إلى غياهبها.. حيث المترصدون لإحباط طموحات الجمهورية التركية إزاء إحياء “العثمانية الجديدة”، ولربما نحو ردتها عودًا إلى بدء كمجرد طفيلية حضارية.