نقطة نظام .. الجمهورية الخامسية «الديجولية» من الانحسار لربما إلى البعث مجددًا

نقطة نظام .. الجمهورية الخامسية «الديجولية» من الانحسار لربما إلى البعث مجددًا
شريف عطية

شريف عطية

9:05 ص, الخميس, 16 ديسمبر 21

تتوازى علاقات فرنسا بمنطقة الشرق الأوسط، منذ حملتها على مصر 1798، مع تدهورها الإمبراطورى ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، من سيدة أوروبية.. وقطب عالمى غير أوروبى إلى دولة ذات مرتبة ثانية، إلا أن توقعها لاستعادة الصدارة من العظمة والقوة، لا تزال لم يتغير، بحيث بات يمثل اليوم أحد معضلات السياسة الخارجية الفرنسية، وهى الحريصة للاستناد على ما اكتسبته بإشعاعها الثقافى من أصدقاء عالميين أكثر عددًا من أصدقاء أى دولة أخرى، ربما منذ حدوث ثورتها 1789 التى صدّرت للبشرية «الجمهورية الشعبية»، لولا ما كان من الماضى الاستعمارى للجمهوريتين الفرنسيتين الثالثة والرابعة، ذلك قبل أن تجرّا أذيال الخيبة والفشل، فى أعقاب الحرب العالمية الثانية1945.. وفيما بعد حرب السويس 1956، عن مستعمراتها حول العالم، من الهند الصينية إلى المغرب العربى، إيذانًا بانطلاق الجمهورية الخامسة بقيادة الجنرال «ديجول» 1958، لتصبح منذئذ من أبرز أصدقاء العالم العربى، وبرغم أن سياسة «ديجول» الشخصية لم تكن تستطيع أن تبقى بعد استقالته الطوعية 1968، إلا أن فلسفتها المستمدة من الروح الوثّابة لفرنسا.. استطاعت الصمود بشكل أو آخر لنحو نصف قرن تال تقريبًا.. ولو أنها باتت مهددة بالهزيمة منذ منتصف الثمانينيات.. نظرًا لاختلاف النتائج من انتخابات إلى أخرى، ولوجود أصناف شتى من اليمين ليست على وفاق تام ما بين الكراهية والمكائد وتفجير الفضائح فيما بينهم، ومع ذلك تبقى «الديجوليةس رمزًا يراود الفرنسيين من جديد نحو المستقبل، خاصة وهم اليوم فى خضم معارك انتخابية رئاسية.. يتقاسمها المتصارعون حولها بنسب متقاربة، تبدو معها فرنسا من بعد «شيراك» حتى «ماكرون» مرورًا بـ«ساركوزى» و«أولاند».. كأنها على أعتاب مشهد سياسى يختلف عما كانت عليه الفلسفة السياسية للجمهورية الخامسة الفرنسية.. من حيث عدم الوقوف إجمالًا ضد صور الاستبداد فى العالم، كما فى التخلى عن التزامها بوعود «الحرية والإخاء والمساواة»، وفى وقت يكاد الفكر اليمينى المتطرف أن يجنح بالسفينة الفرنسية من أضواء العلمانية والتنوير إلى ظلام الأصولية الفكرية، أقرب ما تكون إلى الشعبوية السياسية.. العائدة للظهور بقوة مما قد يُفقد العالم العربى صديقًا كبيرًا، سبق أن توقفت عنده القاهرة فى منتصف السبعينيات، لموازنة اجتياحات «السلام الأميركى»، من بعد انفضاض معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتى (السابق)، كما كان للعلاقة الشخصية آنئذ بين الرئيسين السادات- ديستان.. دورها فى تأكيد روابط العلاقة الثنائية بين البلدين.

إلى ذلك وفى سياقه، تتحدد ملامح الخريطة الانتخابية للرئاسة الفرنسية المقررة فى أبريل 2022، خاصة مع اختيار حزب اليمين الجمهوري- مرشحته للرئاسة- «فاليرى بيكريس»، وسط آمال عريضة لدى ورثة «الديجوليةس.. تليق باستعادة تاريخ فرنسا التنويرى، إذ نشأت «بيكريس» التى قد تهدد طموحات “ماكرون” لولاية ثانية، كديجولية اجتماعية متمرسة على الجدارة، ومن بيت عريق، برعت وظائفيًّا فى الشئون المالية وفى إصلاح النظام الجامعى، ما أتاح اختيارها على بطاقة الحزب الجمهورى بعد مناظرات مع منافسيها الأربعة، بدت خلالها الأكثر صلابة، ولتضحى حال فوزها بالمنصب أول رئيسة لفرنسا، إذ تتشبه بشجاعة «تاتشر».. وحكمة «ميركل»، على حد تعبيرها، خاصة من بعد أن حققت فى استطلاعات الرأى قفزة استثنائية تشير إلى أن فى استطاعتها التغلب على منافسيها فى المعركة الانتخابية التى يرى خبراء السياسة الفرنسية الداخلية أنها ستحسم داخل معسكر اليمين حيث تجتذب «بيكريس» شرائح حزبية واجتماعية وليبرالية، إضافة إلى ما تتمتع به من مؤهلات علمية وخبرة سياسية وحكومية تؤهلها لأرفع المناصب فى الجمهورية الخامسة «الديجولية»، الموشكة على الانحسار لربما قبل بعثها من جديد.