نظرية الشعر عند العقاد(15)

نظرية الشعر عند العقاد(15)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:24 ص, الثلاثاء, 6 أغسطس 19

أشرنا سلفًا إلى أنه قد كُتبت مؤلفات عديدة حول الأستاذ العقاد ونظريته فى الشعر، ومنها الفصل المطول الذى عقده الأستاذ الدكتور حمدى السكوت أستاذ الأدب الحديث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالمجلد الأول من موسوعة أعلام الأدب فى مصر، من مجلدين خص بهما الأستاذ العقاد زيادة على ما خصه لباقى الأعلام : طه حسين، وعبدالرحمن شكرى، والمازنى، وأحمد أمين، وقد تحدث الدكتور حمدى السكوت فى فصل عن نظرية العقاد فى الشعر، وأعقبه بفصل ثانٍ عن شعر العقاد.

وهو يقدم للحديث عن نظرية العقاد فى الشعر، بإطلالة على الشعر والشعراء التى سبقت كتابات العقاد وزميليه شكرى والمازنى، كيما يتضح حجم الإسهام الذى أدته حركة أو مدرسة الديوان.

فالبارودى العظيم، صاحب النقلة الكبيرة فى الشعر، لم يخرج تعريفه للشعر عن التعريف التقليدى، ويتضح ذلك بالتأمل فى مفرداته عن تصوره لطبيعة الشعر والخيال، والفكر، والقلب، أو المشاعر واللسان أو التعبير، وإن عَبَّر البارودى عن أن جوهر شعره وليد الطبع، وليس وليد الصنعة والتكلف.

وقد رأى النقاد فى منتصف خمسينيات القرن الماضى، ومنهم الدكتور عمر الدسوقى فى كتابه «فى الأدب الحديث» أن تعريف البارودى للشعر غامض، لأنه لفه فى ثوب كثيف مزخرف بالمجازات والاستعارات، ولم يحدده تحديدًا علميًّا. وتعريفه يتمشى مع مذهب العرب قديمًا فى الشعر، أنه «لمعة خيالية» تومض إيماضًا فتأتى هذه الخطرات الخيالية غير متصلة وغير مرتبط بعضها ببعض ولا تربطها من ثم وحدة فكرية.

فمفهوم البارودى للشعر إذن مفهوم عربى قديم، كذلك مفهوم أستاذه الشيخ حسين المرصفى فى كتابه الجامع «الوسيلة الأدبية»، فكلامه أكثر إيغالاً فى الدلالة على النظرة التقليدية من كلام البارودى، وهو ينادى صراحة بوحدة البيت لا بوحدة القصيدة، ويرى أن أبيات الشعر يستقل كل منها فى غرضه ومقصده عما قبله وما بعده، وهذا إمعان فى التقليدية لا يحتاج إلى تعليق.

وبرغم أن هناك أقلية قد فهمت بعض جوانب النظرية الشعرية، إلاَّ أن مفهوم الشعر بقى تقليديًّا لدى الغالبية الساحقة من الشعراء والدارسين.

بل إن «شوقى» الذى يستأثر بمعظم نقد كتاب «الديوان» ؛ يدعو فى مقدمة ديوانه الذى صدر سنة 1898 فيما يقول الدكتور السكوت إلى إثراء موضوعات القصائد، ويحث على شعر الطبيعة بخاصة ويرى أن النظر إلى الشعر على أنه «حرفة تقوم بالمدح ولا تقوم بغيره تجزئة يجل عنها ويتبرأ الشعراء منها».

ويضيف أحمد شوقى قائلاً: «أو لم يكن من الغبن للشعر والأمة العربية، أن يحيا المتنبى مثلاً، ثم يموت عن نحو مائتى صحيفة من الشعر تسعة أعشارها لممدوحيه، والعُشر الباقى هو الحكمة والوصف للناس؟!

«هنا يسأل سائل وما بالك تنهى عن خلق وتأتى مثله، فأجيب والكلام لأحمد شوقى أنى قرعت أبواب الشعر وأنا لا أعلم من حقيقته ما أعلمه اليوم.. والقوم فى مصر لا يعرفون من الشعر إلاَّ ما كان مدحًا فى مقام عالٍ ولا يرون غير شاعر الخديوى صاحب المقام الأسمى فى البلاد. فما زلت أتمنى هذه المنزلة وأسمو إليها.. حتى وفقت بفضل الله ثم طلبتُ العلم فى أوروبا فوجدتً فيها نور السبيل من أول يوم وعلمتُ أنى لا أؤدى شكرها (الموهبة الشعرية) حتى أشاطر الناس خبراتها التى لا تحد ولا تنفد. وإذ كنت أعتقد أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغى أبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه ويؤخذ من خلف بأطراف البنان ؛ جعلت أبعث بقصائد المديح من أوروبا مملوءة من جديد المعانى وحديث الأساليب بقدر الإمكان إلى أن رفعت إلى الخديوى السابق قصيدتى التى أقول فى مطلعها خدعوها بقولهم.. وكانت المدائح الخديوية تنشر يومئذ فى الجريدة الرسمية، وكان يحرر هذه أستاذى الشيخ عبد الكريم سلمان فرفعت القصيدة إليه وطلبتُ منه أن يسقط الغزل وينشر المدح، فودَّ الشيخ لو أسقط المديح ونشر الغزل، ثم كانت النتيجة أن القصيدة برمتها لم تنشر، فلما بلغنى الخبر لم يزدنى علمًا بأن احتراسى من المفاجأة بالشعر الجديد دفعة واحدة إنما كان فى محله…. ثم نظمت روايتى «على بك أو فيما هـى دولـة المماليك»… وبعثت بها قبل التمثيل بالطبع إلى المرحوم رشدى باشا ليعرضها على الخديوى السابق».

ويعلن أحمد شوقى فى تسعينيات القرن قبل الماضى، أنه عرف عن «حقيقة الشعر وهو يطلب العلم فى فرنسا ما لم يعرفه من قبل فى مصر».

ويثنى على صديقه خليل مطران صاحب المنن على الأدب، الذى ألف بين أسلوب الإفرنج فى نظم الشعر وبين نهج العرب.

كل ذلك على الرغم من أن مطران قدم وصفًا للشعر أكثر تحديدًا من وصف شوقى، وأكثر تفصيلاً وأشد اقترابًا من مفهوم العقاد وزميليه شكرى والمازنى للشعر، ربما لأن مطران فيما يقول الدكتور السكوت كان بصدد تحديد مفهوم الشعر، على عكس شوقى الذى كان أكثر اهتمامًا بفتح مجالات جديدة ينظم فيها الشعراء.

ومهما يكن من أمر هذه الأقلية التى تفتحت على مفاهيم جديدة، إلاَّ أن آراءها فيما يضيف الدكتور السكوت لم تترك أثرًا يُذكر فى تطوير المفهوم السائد آنذاك للشعر العربى. فلم يكن مطران ناقدًا يعوّل على رأيه جمهرة القراء، وفى غمرة سيادة الرؤية التقليدية للشعر ودراسته، لم يتنبه أحد إلى أن نظم بعض قصائد مطران يختلف عن نظم الشعر العربى المعاصر أو القديم. كما لم يكن لروحى الخالدى وأمثاله ما كان للأستاذ العقاد وزميليه من جهارة الصوت وقوة العارضة والتسلح بزاد ثقافى ضخم، والاستعداد لخوض أقسى المعارك فى سبيل نشر رؤية جديدة. بل إن مقالات وكتابات العقاد، وتقديمه لدواوين زميليه شكرى والمازنى، لم تُحدث أثرًا كبيرًا فى نشر «المذهب الجديد»، وإنما جاء ذلك الأثر بعد صدور كتاب «الديوان» الذى أحدث دويًّا هائلاً فى عالم الأدب والشعر والثقافة، ووجه الأنظار بقوة إلى تلك الدعوة الجديدة.