نظرية الشعرعند العقاد (9)

نظرية الشعرعند العقاد (9)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:23 ص, الأثنين, 29 يوليو 19

يضيف الدكتور مندور، أن الأستاذ العقاد بعد أن دعانا إلى أن نسمع أعاجيب العبر فى بيتى الافتتاحية سالفى الذكر، أخذ يقص تلك الأعاجيب فى مائة مقطوعة وعشر : كل مقطوعة من بيتين متحدى القافية فى شعر جهم يعوزه الماء والرواء، بل التعبير والإيضاح لتعقد الأفكار، حتى لنرى العقاد نفسه يقدم لقصيدته بمقدمة نثرية يسرد فيها موضوع القصيدة وأفكارها الفلسفية المعقدة، بل ويضطر إلى أن يوضح نثرًا فى هوامشها ما أراد أن يقوله شعرًا وأحس أنه لم ينجح فى الإفصاح عنه وربما كان من الخير أن يستعيض عندئذ عن الشعر كله بالنثر الذى يستطيع أن يتسع لمثل هذا التفلسف الغامض.

ومع ذلك نرى هذا العملاق فيما يضيف الدكتور مندور ينسى أحيانًا عقله الجبار ليدخره للنثر، وذلك لكى يطلق عاطفته غير الجبارة بل الأليفة المتواضعة، كعواطف كبار الشعراء الذين لا يخجلون من ضعف الطبيعة البشرية، ولا يأنفون من الشكوى والتلهف وذلك كى يستطيع أن يسمعنا شعرًا إنسانيًا رائعًا مثل مقطوعته التى تحمل عنوان «نفثة» فى الجزء الثانى من ديوانه حيث يقول:

ظمآن. ظمآن، لا صوب الغمام، ولا
عذب المدام، ولا الأنداء تروينى
حيران. حيران لا نجم السماء، ولا
معالم الأرض فى الغبراء تهدينى
يقظان. يقظان،لا طلب الرقاد يُد
نينى ولا سمر السمار يلهينى
غصان، غصان، لا الأوجاع تبلينى
ولا الكوارث والأشجان تبكينى
شعر دموعى وما بالشعر من عوض عن الدموع نفاها جفن محزون
يا سوء ما أبقت الدنيا لمغتبط على المدامع أجفان المساكين
هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم وما استراحت بحزن فىّ مدفون
أسوان، أسوان لا طلب الأساة، لا سحر الرقاة من اللأواء يشفينى
سأمان، سأمان، لا صفو الحياة ولا عجائب القدر المكنون تغنينى
أصاحب الدهر لا قلب فيسعدنى على الزمان ولا خل فيأسونى
يديك فامح ضنى يا موت فى كبدى فلست تمحوه إلا حين تمحونى

فهذه المقطوعة الرائعة فيما يقول الدكتور مندور، لا يُخشى عليها مما يقول الأستاذ العقاد نفسه فى مقدمة ديوانه «بعد الأعاصير»، التى فيها يقول : « ولعلنا بحاجة إلى التنبيه إلى تفاهة شائعة فى مصر والشرق بين أدعياء الإحساس ممن لا يحسون ولا يفكرون، وفى اعتقادهم أن الإحساس والترقق مترادفان ويوشك أن يموت الإنسان عندهم من فرط الإحساس، لأنه يحس فى زعمهم بمقدار ما يتراخى ويتخاذل ويئن وينوح».

ذلك إن جودة الشعر يراها الدكتور مندور فيما يقول بقدر ما يراه من إخلاص الشاعر نفسه وصدوره عما يجد.
وقد مضى الزمن الذى كان النقاد يلومون فيه الشاعر فيما يضيف لأنه يغاضب حبيبته ويثور على حبه لها، مؤثرين أن يقول ما قاله من قبل شاعر آخر لمعشوقته، كيما يفديها إن حفظت هواه أو ضيعته بدلاً من أن يغاضبها.

والذى لا شك فيه أن قوة الانفعال هى التى تولد الرؤية الشعرية، وليس التفكير الفلسفى الجاف.

ولا أحسب بعد أن تأملت طويلاً فى عبارة الأستاذ العقاد وعبارات الدكتور مندور أن بينهما خلاف حقيقى، فعبارات الأستاذ العقاد لا تختلف عما تبنّاه الدكتور مندور، فهو لم يساو بين الشاعر والفيلسوف فى الفكر والخيال والعاطفة، وكل ما قاله إنها ضرورية لكل من الفلسفة والشعر، ولكن مع اختلاف فى النسب وتغير فى المقادير، فلا بد للفيلسوف الحق من نصيب من الخيال والعاطفة ولكنه أقل من نصيب الشاعر، ولم يختلف الدكتور مندور مع هذا الشق، وأضاف الأستاذ العقاد انه لا بد للشاعر الحق من نصيب من الفكر ولكنه أقل من نصيب الفيلسوف، وهذا الشق لا يتحدث عن الفلسفة أو التفلسف، وإنما مقصور على أنه لابد للشاعر من نصيب من الفكر وإن كان أقل من نصيب الفيلسوف، ولا أحسب أن ذلك يمكن أن يقع فيه خلاف.

أما العبارة الأخيرة للأستاذ العقاد، فقد جرت وكما أوردها الدكتور مندور بأنه أى العقاد لا يعلم فيلسوف حقيقيًا واحدًا جديرًا بهذا الاسم كان خلوًا من «السليقة الشعرية»، ولا شاعرًا واحدًا يوصف بالعظمة كان خلوًا من «الفكر الفلسفى»، ولم تجر هذه العبارة على المعنى الذى أخذها بها الدكتور مندور، فالخلو ينصرف إلى خلفيه «الفكر الفلسفى» لدى الشاعر، ولا يتبنى أن يمارس الشاعر الفلسفة أو التفلسف فى شعره.

ولا مراء بعد ذلك أن من حق الدكتور مندور أن يختلف فى مبنى أو توجهات القصيدة، سواء مع شاعرها، أو مع الدكتور زكى نجيب محمود الذى عرضنا سلفًا تحليله إياها وموقفه منها ورأيه فيها، ويبقى من قبل ومن بعد، أن للأستاذ العقاد نظرية فى الشعر، تجلت بقوة فى حركة الديوان التى تناولها الدكتور مندور نفسه فى هذا الكتاب القيم.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com