لا يمكن أن نبسط الحديث فى قصيدة «ترجمة شيطان» التى أخرجها الأستاذ العقاد سنة 1936، بعد ويلات الحرب العالمية الأولى، وإرهاصات الحرب العالمية الثانية التى اشتعلت سنة 1939، دون أن تلم بالمقدمة النثرية التى قدم بها لقصيدته، ونشرت مع القصيدة فى ديوان « أشباح الأصيل»، هذا فضلاً عما كتبه شيخ النقاد الدكتور محمد مندور عن هذه القصيدة فى كتابه القيم «النقد والنقاد المعاصرون».
قال الأستاذ العقاد فى مقدمته النثرية للقصيدة:
«فى هذه القصيدة قصة شيطان ناشئ سئم حياة الشياطين وتاب من صناعة الاغواء لهوان الناس عليه وتشابه الصالحين والطالحين منهم عنده. فقبل الله منه هذه التوبة وأدخله الجنة وحفه فيها بالحور العين والملائكة المقربين. غير أنه ما عتَّم أو سئم عيشة النعيم ومل العبادة والتسبيح وتطلع إلى مقام الإلهة لأنه لا يستطيع أن يرى الكمال الإلهى ولا يطلبه ثم لا يستطيع أن يطلبه ويصبر على الحرمان منه، فجهر بالعصيان فى الجنة ومسخه الله حجرًا فهو ما يبرح يفتن العقول بجمال التماثيل وآيات الفنون.
وقد نظمت هذه القصيدة فى أواخر الحرب العظمى فكل ما فيها من الألم واليأس فهو لفحة من نارها وغيمة من دخانها».
وفى كتاب الدكتور محمد مندور «النقد والنقاد المعاصرون» الذى أشرت إليه سلفًا، وسوف أعود إليه بتفصيل أكثر عند الحديث عن حركة أو مدرسة الديوان. فى هذا الكتاب تعرض الدكتور مندور لقصيدة «ترجمة شيطان»، وهى من القصائد الرائعة الفذة للأستاذ العقاد، وتحتاج فعلاً إلى غوص عميق وخلو مع النفس وتحليل دقيق للألفاظ والمبانى والمعانى، وردها إلى أصولها الفلسفية وتعبيرها فى ذات الوقت عن نظرية الشعر عند العقاد.
والحقيقة فيما نقله الدكتور مندور عن مقال كبير للأستاذ العقاد سنة عن «فلسفة المتنبى» ونشر لاحقًا فى مجموعة «ساعات بين الكتب»، قوله فيها: «الحقيقة أن الفكر والخيال والعاطفة ضرورية كلها للفلسفة وللشعر مع اختلاف فى النسب، وتغيير فى المقادير. فلا بد للفيلسوف الحق من نصيب من الخيال والعاطفة ولكنه أقل من نصيب الشاعر. ولا بد للشاعر من نصيب الفكر ولكنه أقل من نصيب الفيلسوف.. فلا نعلم فيلسوفًا حقيقيًا واحدًا والحديث للأستاذ العقاد جديرًا بهذا الاسم كان خلوًا من السليقة الشاعرية، ولا شاعرًا واحدًا يوصف بالعظمة كان خلوًا من الفكر الفلسفى، وكيف يتأتى أن تعطل وظيفة الفكر فى نفس إنسان كبير القلب، متيقظ الخاطر مكتظ الجوانح بالإحساس كالشاعر العظيم ؟ إنما المفهوم المعهود أن شعراء الأمم الفحول كانوا من طلائع النهضة الفكرية ورسل الحقائق والمذاهب فى كل عصر نبغوا فيه فمكانتهم فى تاريخ تقدم المعارف والآراء لا يعفيه ولا يغض منه مكانهم فى تواريخ الآداب والفنون، ودعوتهم المقصودة أو اللدنية إلى تصحيح الأذواق وتقويم الأخلاق لا تضيع سدى فى جانب أناشيدهم الشجية ومعانيهم الخيالية. هكذا كان شكسبير شاعرًا ناطق الفكر حتى فى أغانيه الغزلية وهكذا كان جيته وشللر وهاينى شعراء الألمان الفلاسفة فى استعدادهم وسيرة حياتهم. وفيما يستقرى من مجموعة أعمالهم وهكذا كان بيرون ووردزويرث وسوينبرن من الشعراء المجاهدين فى أغانيهم. المغنين فى جهادهم : وهكذا كان من قبلهم جميعًا دانتى اللجيرى إمام النهضة الإيطالية بل هكذا كان شاعر عظيم فى أية لغة وفى أية قبيل».
على أن الدكتور مندور مع اقراره لبراعة الأستاذ العقاد فى المجادلة، لا يتفق معه فى هذا الرأى، فالشعر لا يمكن أن يتسع فيما يراه للفلسفة أو التفلسف وبخاصة الغنائى منه، وفرق فيما يضيف بين أن يتفلسف الشعر وبين أن يصدر عن فلسفة خاصة فى الحياة الطبيعية ووجهة نظر محددة إليها، كما أن هناك فارقًا كبيرًا فيما يقول بين التأمل الفلسفى الذى يصطبغ بوجدان الشاعر وكثيره لواعجه ومخاوفه وأشواق روحه، وبين التفلسف أو الفلسفة».
ويستشهد الدكتور مندور ببيتين من شعر المتنبى أوردهما الأستاذ العقاد فى مقاله عن فلسفة المتنبى. يقول البيتان:
إلف هذا الهواء أوقع فى ألا نفس أن الحمام مرّ المذاق
والأسى قبل فرقه الروح عجزٌ والأسى لا يكون إلاَّ بعد الفراق
ويعقب الدكتور مندور على رأى الأستاذ العقاد فيهما، بأن تعليقه الذى قرن فيه كل حكم فيهما بسببه أو بتفسيره، لم يمس فى شئ روعة هذين البيتين فى تأثيرهما فى النفس. فالمتنبى لم يورد فيهما أسبابًا ومسببات أو نتائج وتفسيرات، بل يتأمل فى حقائق الحياة والموت ويستشعر الأسى من تلك الحقائق ويشعرنا به.. وهذا فيما يقول تأمل لا تفلسف. ولعل فى الفرق بين التأمل والتفلسف فيما يضيف ما يميز شعر عبد الرحمن شكرى الذى يتسم هو الآخر بسمة الفكر عن شعر العقاد الفلسفى ؛ فشكرى يتأمل، أما العقاد فيتفلسف أحيانًا على نحو ما فعله فى مطولته التى يعتز بها وهى «ترجمة حياة شيطان» ومطلعها:
صاغة الرحمن ذو الفضل العميم
غسق الظلماء فى قاع سقر
ورمى الأرض به رمى الرجيم
عبرة، فاسمعْ أعاجيب العبر
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com