ربما بدا ظاهريًّا، أو للوهلة الأولى، أن الفصل الذى عقده الأستاذ الدكتور زكى نجيب محمود بعنوان «العقاد كما عرفته» يخرج عن نطاق موضوعنا هنا وهو يتناول نظرية الشعر عند العقاد، بيد أن التمعن يثبت أن فيه ما لا ينفصم عن نظرية الشعر عنده، فقد تناول الدكتور فيما تناوله فى هذا الفصل الشيق، تناول أمرين يتعلقان بنظرية الشعر عند العقاد، أولهما إشارته إلى ما كان له ـ للمؤلف ـ مع قصيدة «ترجمة شيطان »، حين شارك باحثًا متحدثًا فى برنامج «العالم العربى اليوم » الذى أعدته جامعة لندن سنة 1946، فاختار أن يتحدث عن «العقاد الشاعر »، وحرص على أن يقدم للسامعين ترجمة شعرية
إلى الانجليزية من شعر العقاد، وفى مقدمة المختارات جزء من قصيدته الكبرى «ترجمة شيطان »، فكان الأثر الذى احدثته شاهدًا على أن العقاد شاعر عظيم، يحتفظ شعره بقيمته فى «الترجمة » أمام أعين النقاد.
وعن هذه القصيدة كتب الدكتور زكى نجيب محمود إنه بعد قراءته لقصيدة «ترجمة شيطان » هذه القصيدة العجيبة الفريدة ـ بنص تعبيره ـ فى الأدب العربى كله، أراد أن يملأ البصر فى صورة الرجل الذى كتب هذه القصيدة الطويلة يترجم فيها للشيطان فيوقفه موقف القدرة والعناد، لا كما فعل ملتون فى فردوسه المفقود، ولا كما فعل أى شاعر على طول التاريخ الأدبى من أوله إلى آخره، فها هنا زراية بالإنسان ليس بعدها زراية، وإعلاء وتمجيد للفن ليس وراءه إعلاء وتمجيد، ولماذا لا يزرى بالإنسان وقد شنها على نفسه حربًا هوجاء فى الحرب العالمية الأولى. التى ما كادت تبلغ خراب ختامها ويبابه، حتى كتب العقاد هذه القصيدة كأنما هى لفحة من نار الحرب وغيمة من دخانها، وإنه الجدير هنا بالذكر أنه لم تمض بعد ذلك إلا سنوات قلائل حتى ظهرت فى الإنجليزية أخت لها، تنتمى معها إلى أسرة من الشعر واحدة، وهى قصيدة اليوت «الأرض اليباب ».
وتابع الدكتور ذكى نجيب يقول بحصر اللفظ:
«فى قصيدة العقاد يقول الخالف لمخلوقه الشيطانى إذ يطوح به من السماء إلى الأرض: اذهب وكن محنة للأبرياء، فأضلل من الناس من تشاء، وستطون الجحيم مأواك ومأواه ، فهوى الشيطان على الأرض صفر الراحتين، خاوى الزاد، فأين يمضى ورحاب الأرض واسعة، إن رسالته هى أن يبذر للشر بذوره، وليست الحيرة هى: أين يجد التربة صالحة لبذر هذه البذور، كلا فلا حيرة فى ذلك، لأن الأرض صالحة لبذوره أينما ألقاها، وإنما الحيرة هى: أى أصقاع الأرض يبدأ بها سيرته ؟ وما هو إلا أن سخر الشيطان من نفسه ومن رسالته التى هبط الأرض من أجلها، لما رآه من تفاهة الإنسان وضآلته، وسرعان ما فكر له فى مكيدة سهلة ألقاها فأصابت، وما مكيدته تلك إلا أن يوهم الناس بشىء من صنعه، يطلق عليه اسم «الحق» ثم يقذف به فيهم ويأوى إلى الراحة فما حاجته الآن إلى سعى ونشاط؟ إن هذا «الحق » الخلاب سيكفيه مؤونه التضليل الذى جاء من أجله، وصدقت فراسته، فمن أجل «الحق» الموهوم دبت الخصومة بين الأصدقاء، وبات «الحق» سلاحًا لكل من أراد سلاحًا، أيريد الخبيث أن يستر خبثه عن الناس؟ إذن فليسمه حقًا، أيريد الضعيف أن يلتمس المعاذير لضعفه ؟ إذن فليقل إنه ابتغاء وجه «الحق» قد زهد فى الكفاح، أيريد المعتدى أن يسوغ اعتداءه حتى ينزل سيفه على رقاب الناس بردًا وسلامًا؟ إذن فمن أجل «الحق» سل الحسام ، نعم إنه هو هذا «الحق» الذى جهل حقيقته الجاهلون، وراحوا ينشدونه فضلوا، وهو نفسه «الحق» الذى ابتغاه الحكماء، فلما استعصى عليهم حسبوه سرًا تعالى أن يبلغه البشر، لله ما أعجبه من فخ شيطانى فظيع ! فهذا عبد مستذل، يقال له إن إذلاله هو «حق » لسيده، وهذا سيد مفتر طاغية يدعى ان قوته هذه مستمدة كلها من «الحق» وجهًا لوجه وعينًا لعين، فإذا أزلت عن عينيك الغشاوة لترى هذا «الحق» وجهًا لوجه وعينًا لعين، فماذا ترى سوى طعام يلهث فى سبيله البطن الجائع، ومأوى يلوذ به الخائف، وذهب يخطب الأنظار ببريقه، فلو شبع الجائع وأمن الخائف ومات صاحب الذهب، لاختفى من الوجود شىء يسمونه «الحق» وما هو إلا تلك المطامع الحيوانية الدنيا.
ولا شك أن نظم الأستاذ العقاد لهذه القصيدة، التى تعمق الدكتور زكى نجيب محمود فيها على نحو ما تقدم بيانه، إنما يعبر وبمثال تطبيقى عملى عن نظرية الشعر عند الأستاذ العقاد.
أما الأمر الثانى الذى تناوله المؤلف فى هذا الفصل، ويتعلق بالموضوع، هو ما كان من الأستاذ العقاد مقرر لجنة الشعراء فى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com