نظرية الشعرعند العقاد (6)

نظرية الشعرعند العقاد (6)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:31 ص, الأربعاء, 24 يوليو 19

يستأنف الدكتور زكى نجيب محمود تحليل قصيدة الأستاذ العقاد «ترجمة شيطان» ـ فينقل عن القصيدة أن الجنة سكنت سكونًا رهيبًا، ووقف الشيطان أمام ربه، وما هو إلاَّ أن دوى فى رحاب الخلد هاتف هز الأرجاء. فمن الهاتف يا ترى ؟ إنه الروح العصىّ الذى دب فى نفسه الحسد، وأخذ منه الغيظ واستصغر الكون وازدرى الخلود، لأنه يريد أن يكون له المُلْك من دون الله، وعبثًا يقال له هذا وغيره، لأن طغيانه قد جَنَح به حتى اعتبر أن مجرد السماع ـ عقاب، بل أشد العقاب، لأنه يطمح أن يكون وحده هو صاحب القول وأن ينصت الآخرون له، فكيف بهم يوجهون اللوم إليه.

وجعل الشيطان فى انفلاته وشطحاته يقول لربه: «لست أريد بخطابى هذا مسالمة ولا مهادنة، فلئن كنتَ أنت المولى، فأنت مولى الموالى ؛ فيا أيها المولى هأنذا أعلن المروق والعصيان على سيدى، وإذا عصى عبد على سيد، فالسيد هو أولى بالرثاء من عبد فقد سيده ؛ فلا يغضبنك ـ أيها المولى ـ أن يعصى واحد من عبيدك لأنه غير راضٍ، وقل إن شئت إنه عبد سوء رفض الخلد ؛ ولا تعاجلنى باللوم على موقفى هذا، لأننى سأكفيك مؤونة اللوم، وسأتولى بنفسى تأنيب نفسى، فأنا لا أعرف المجاملة حتى مع نفسى، ولو وجدتها جديرة بالذم لذممتها، فلا حرج عندى فى ذلك، لأننى أجد الذم والثناء على حد سواء ؛ وعلى أى شىء تلوم ؟ ألائمى على كفرى بنعمتك ؟ ولكن أين هى النعمة حتى يقال إنى كفرت بها ؟ إنك فى هذا لتقيسنى إلى قوم يشكرونك على نقمتك وما أنا من هؤلاء ؛ إنك فى هذا كمن يعطى العشب للآساد ثم يعجب كيف لا تأكل وتشكره على هذه النعمة ؟ وإنما العشب يكون للشاء، ولا عجب أن تفوز الشاء بالطعام فتحسب طعامها وسيلة خودها، فإن كان فى ذلك كله حكمة، فهى إذن كحكمة العاهل الذى يحكم الناس فى ملكه بما ليس يفقهون، فالويل لمن يسأل منهم سؤالاً، والأمن لمن يمضى فى جهله يأكل ويشرب ولا يسأل أين ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ فهكذا يا رب تصب الشقاء على من يحاول الكشف عن حكمة القدر، دون من يقف ليشك فينكر فيعصى، كأنما الواجب فى الحكم هو أن يترك الستر مسدولاً على سره.

«اللهم، إن وجدت من يرضى عن هذه الأقدار، فانْعَمْ بهم ما شئت، وأفسح لهم من جنانك، لأنهم ـ فى الحق ـ نعم العتاد للمالكين، فهم الراضون أبدًا الطائعون الطيعون أبدًا؛ فالخلد عند هؤلاء هو أن يجدوا كفايتهم من قوت ومأوى، فلا فرق بين الضب الذى يستقر آمنًا فى جحره ويحسبه فردوسًا من السماء، وبين الإنسان يوضع لرجائه حد أقصى لا يجاوزه فيرضى به شاكرًا ؛ إننى أواجه يا رباه بالصدق، والصدق مُر، فلا تعاجلنى بالسكوت ؛ أم تحسب أن قول الصدق لا يتفق مع شيطان غوى ؟ والصدق خير وسيلة لإهلاك صاحبه، فما رأيت صدقًا قد عاد على قائله بالخير أبدًا، وإنما يعود بالخير قول الزور والبهتان والهوى ؛ أفليس هذا عجيبًا أن يكون عالمًا لا يهلكه الباطل، ويودى به قول الحق ؟ نعم، فبلوغ الإنسان منزلة الحق الخالص معناه تجرده عن أهوائه ونزعات طبائعه ومطالب اللحم والدم فى كيانه ـ لأن هذه كلها أشياء لا تجرى مجرى العقل وأحكامه ـ وفى هذا نذير بالهلاك.

«كيف يكون الرضى بأن تكون ثمرة الكون كله والخلق كله والرقى كله ـ راحة يستريح بها المستريح فى الجنة سدى، فلا يشغلها بعلم ولا فن ؟ لماذا تسدّ أمام هذا أبواب الطموح والرجاء ؟ هل يرضى بالوقوف لأنه يعاف السمو، أم لأنه يجهل أن وراء غايته غاية أبعد، أم لأنه يعلم أن وراء شأوه شأوًا، ويريد بلوغه لكنه عاجز ؟ إن كل هذه الحالات الثلاث انتقاص من الخلد الذى قلت إنه من نصيب أصحاب الجنة، إذ كيف يتفق خلود وقيود ؟ ألا ما أشدّها غفلة من الفانين أن يحسبوا فناءهم ضربًا من الخلود. فيخلطوا بين امتداد الزمن وبين البقاء الذى يعلو على قيود الزمن ؛ وما أشد غفلة الغافلين إذا هم حسبوا الخلد فى نيل المنى، لأن أحقر الديدان تبلغ مأمولها ! إنما الكمال الحق الجدير بالتمنّى هو أن يبلغ الإنسان منزلة لا يعود بعدها سؤال، وتلك منزلة لم يجعلها الله من قسمة مخلوقاته، لأنه يريدهم سائلين نعمته أبدًا.


فيا لها من قولة قالها الشيطان ! فها هنا أظلم السَّنَى، وتحولت شعلة الشيطان الثائر حجرًا، حيث أخمد سبحانه جذوة الشيطان لا انتقامًا منه فتعالى الله عن ذلك، وإنما رحمة بالخلق أن يفسدهم هذا الرجيم.. فقال الله: كن صخرًا ؛ فكان الشيطان صخرًا.
ولكن هل زالت غواية الشيطان بعد أن خَبَتْ شعلته وتجمد صخرًا ؟ كلا فهيهات أن تتغير الطبائع، فالغوى ما يزال غاويًا، وهو هذه المرة يغوى الناس «بالفن» الذى قد تحوّل إليه ؛ فإذا ما صادفتَ تمثالاً يفتنك بسحره، أو إذا رأيت صنمًا معبودًا، فاعلم أن ذلك التمثال وهذا الصنم هو هو نفسه الشيطان بعد أن تحول حجرًا ؛ فتعجب ما شاء لك التعجب، فقد تفنى الروح وقد يفنى الجسد، لكن الكيد باقٍ لا يزول.

وكما غضب الله على هذا الشيطان، فقد غضب عليه كذلك كبير الشياطيـن ـ إبليس ـ وأنكر أن يكون واحدًا من أسرتهم، إذ متى كان الشيطان من الحماقـة بحيـث يقـع فـى الشرك ؟ فمن أين أتى هذا المسخ الذى لا هو من الأملاك الخلّص ولا هو من الشياطين الخلّص ؟ لعل شيطانة أغوت مَلَكًا ذات مرة، فأنسلا هذا الشيطان، فجاء هجينًا من أملاك وشياطين وإلاَّ فكيف بلغ به الطيش أن يقول الحق صريحًا ؟ فباء صاحبنا بالسخط فلا شيعته رضيَت عن مسلكه ولا رضى عنه الأعداء… وتلك هى نهاية النوابغ دائمًا: يهتفون بالحق، فيتنكر لهم أصحاب الغىّ وأصحاب الرشاد جميعًا.


ذلك هو الشيطان الذى ترجم له العقاد فيما يقول الدكتور زكى نجيب محمود، فهل العقاد متمرد، هل العقاد طموح. فهل رأيت متمردًا أو طموحًا قد عبّر عن تمرده وعن طموحه بهذه الصورة ؟

نعم فيما يجيب، فقد تناول كثيرون موضوع الشيطان وموضوع الجنة فى أدبهم شعرًا ونثرًا، وتوشك ألا تخلو من هذا أسطورة منذ أقدم العصور.

المصريون الأقدمون صوروا الجحيم وما يحتويه من ألوان العذاب، والجنة وما فيها من نعيم.
وفى أساطير البابليين هبطت «عشتروت» إلى الجحيم لينبعث «تموز» إلى الحياة.
وفى ديانة الفرس القدماء أن لكل من الجحيم والفردوس إله يرعاه، ولا تنقضى المعركة بين «أهورامازدا» إله الخير و«أهريمان» إله الشر.
وكذلك فى موروث الهند.
ويذكر هوميروس عالم الجحيم وعالم النعيم.

وهذا هو أيضًا موضوع رسالة الغفران للمعرى، ثم الكوميديا الإلهية لدانتى، وقصة الشيطان فى «فاوست» لجوته..
ولكن الشيطان الذى يصوره الأستاذ العقاد «مبتكر» ـ فيما يعقب الدكتور زكى نجيب محمود، فوسيلته فى الغواية هى «الحق» خلافًا لكل شياطين الأدب التى كانت تغوى بالباطل.

والشيطان الذى ترجم لهم العقاد ـ قد كفر بالشر، ولم يحدث أن شيطانًا قبل ذلك قد كفر بالشر أو يئس منه. كذلك رفع إلى الجنة ثوابًا له على كفره بالشر، ولم يُرفع شيطان إلى الجنة من قبل!

ويحلو للدكتور زكى نجيب محمود ـ فيما يضيف ـ أن يقارن خطاب الشيطان عند العقاد بخطاب الشيطان فى الفردوس المفقود لملتون، فالشيطان عند العقاد لم تلن قناته أبدًا.

وخلاصة ما انتهى إليه فيلسوف الأدباء أو أديب الفلاسفة، أن الصورة تنجلى حين تضع «الحاكم المستبد» قبالة «المفكر الحر».. فيبدو أن العقاد الشاعر إنما يترجم لحياة كل مفكر حر يثور فى وجه الطغيان، وحتى إذا ما استطاع الطغيان أن يخمد جذوته، فإن فكره يظل خالدًا فى نفوس الناس لا يفنى.

وإذن فهذه القصيدة الكبرى هى ـ كبقية شعر العقاد ونثره، بل كحياته الشخصية التى عاشها أبيًّا معتزًّا بنفسه، دعوة إلى الحرية التى لا يشترى بها الفردوس، إنْ كان فى الفردوس ما يحول دون بلوغها غاية شأوها.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com