ومن المؤلفات القيمة التى تناولت موهبة الأستاذ العقاد فى الشعر، ونظريته ودوره الرائد فى الشعر، الكتاب القيم «مع الشعراء» لأديب الفلاسفة أو فيلسوف الأدباء الأستاذ الدكتور زكى نجيب محمود دار الشروق طـ 1 1978 وتتناول الفصول الأربعة الأولى «العقاد الشاعر»، «كيف ترجم العقاد للشيطان» «العقاد كما عرفته»، «فلسفة العقاد من شعره».
العقاد الشاعر
البصر الموحى إلى البصيرة، والحس المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذى ينتهى إلى اللامحدود هو شعر العقاد فيما يقول الدكتور زكى نجيب محمود، بل وذلك هو الشعر العظيم كائنا من كان صاحبه.
الشاعر دون غيره، ينتقل من المرئى والمسموع إلى رحاب نفسه، ليجد هناك وراء ذلك المحسوس الجزئى المقيد بزمانه ومكانه، عالمًا من صور أبدية خالدة، لا يحصرها زمان ولا مكان، فيقدمها الشاعر عامرة بالمضمون والفحوى، فتصبح بالنسبة إلى وقائع الحياة الجارية بمثابة النموذج من تطبيقاته. ومن هنا كان الشعر هو الذى أعطى وقائع الحياة معناها، فالشاعر لا يصور الحياة تصوير المرآة، بل تصوير المثال الثابت للجزئية الطارئة، ولولاه لظلت الجزئية العابرة واقعة صماء خرساء، لعل هذا ما أراده الأستاذ العقاد حين قال :
والشعر ألسنةٌ تفضى الحياة بها
إلى الحياة بما يطويه كتمانُ
لولا القريض لكانت وهى فاتنه
خرساء ليس لها بالقول تبيانُ
ما دام فى الكون ركنٌ للحياة يُرَى
ففى صحائفه للشعر ديوانُ
فالشاعر حلقة وسطى بين عالم المعانى الخالدة من ناحية، وعالم الحياة الجارية العابرة من ناحية أخرى، وهو الذى يكسب الصور العابرة أبديتها، ويكسبها معناها. يقول العقاد:
والشعر من نفس الرحمن مقتبس
والشاعر الفذ بين الناس رحمنُ
وبهذا المقياس يرى الدكتور زكى نجيب محمود أن ننظر إلى شعر العقاد.
ويتناول الدكتور أول قصيدة من الجزء الأول من ديوان العقاد، وعنوانها «فرضة البحر» (الميناء)، وأول لقطة حسية يلقطها الشاعر ببصره هى المنار الذى يظهر ضوءه ويختفى، فيدخل بهذه اللقطة الجزئية المحدودة بمكانها وزمانها، إلى طوية نفسه فيجد أن الضوء المرئى لا يغنى شيئًا عن هداية الفكر، فإن تراكمت على النفس شبهاتها وأشجانها فموئلها لُمع الأفكار لا لمعات الضياء.
أمامك فى القصيدة صورتان متشابهتان، إحداهما خارجية والأخرى داخلية. ظلمات البحر فى الخارج يقابلها لُمع الأفكار فى الداخل، وانطلاق الضوء على جوانب اليم بلا حدود تحده ولا قيود تقيده، يقابله انطلاق العقل حرًّ نافذًا..
احدى الصورتين من الواقع المحدود، والأخرى من المطلق اللامحدود.
واللقطة الحسية الثانية بذات القصيدة، التى يتمثل بها المؤلف، هى اللقطة التى يلقطها الشاعر ببصره للحركة التى يعج بها الميناء بين راحلين وقادمين، فيدخل الشاعر إلى طوية نفسه، ليرى صميم الحياة أضدادًا متجاورة: برٌّ وبحر، وشرقٌ وغرب، وراحل ٌ وقادم، ومغتربٌ عن الوطن وعائدٌ إليه، ولغاتٌ مختلفات وألوان متباينة :
فيها التقى برٌ وبحرٌ واستوى
شرقٌ وغربٌ ليس يستويان
بسطت ذراعيها تودِّع راحلا
عنها وتحفل بالنزيل الدانى
زُمَرٌ توافت للفراق فقاصدٌ
وطنًا، ومغتربٌ عن الأوطان
متجاورى الأجساد مفترقى الهوى
متباينى اللهجات والألوان
فانظرْ إلى تلك الوجوه فإنها
شتى ديار جمُعِّت بمكان
وإقرأ القصيدة مرة ثانية على ضوء جديد، أن العقاد يتحدث عن نفسه لا عن الميناء، تجد شخصية الشاعر قد ارتسمت أمامك بخصائصها المميزة.
ويسوق الدكتور زكى نجيب محمود مثلاً آخر بين به كيف يختار العقاد الشاعر من محسوساته ما يوحى بمعان خالدة، ترى ذلك فى قصيدة «العُقاب الهرم» أى طائر العُقاب العجوز، فاللقطة الحسية تصور عُقابًا زالت عنه قوة شبابه فجثم على الأرض عاجزًا عن النهوض والتحويم، ويتلفت الشاعر حوله فإذا صرصوٌر ناشطٌ بوثباته، وإذا طائر القطا يصيح، أما شيخ الطيور فمحطوم حطمته السنين.
«هذه هى الصورة المرئية المحسوسة، يرسمها الشاعر بتفصيلاتها رسمًا يوحى للقارئ أشد إيحاء بالصورة الخالدة المتكررة فى شتى الكائنات وعلى مر العصور: صورة المجد المخوف المهيب المرهوب الجناب، تذهب مع الأيام قوته المادية لكن تبقى له آثار الهيبة الماضية يخشع لها الرائى راضيًا أو كارهًا فانظر إلى آثار معبد قديم زالت عنه قوة العقيدة فهل يسعك أن ترى أطلال المجد ولا تخشع لها؟ أو النظر إلى صاحب الجاه القوى ذهب عنه الجاه، أو إلى الليث حبيسًا وراء القضبان، أو إلى أمة ضعفت بعد قوة، أو إلى ما شئت من أصحاب الجبروت تذهب عنهم علائم الجبروت كلها وظواهره كلها، لكن شيئًا عجيبًا ملغزًا يظل فيهم باقيًا ينتزع احترام الرائى انتزاعًا.
وها هى ذى قصيدة « العُقاب الهرم » تطالعْ فى هذه القصيدة المنظر المحسوس بتفصيلاته ومقارناته، ثم تتَعَقَّبْ إيحاءه فى نفسك، فإن وجدت أنك قد انتقلت مع الشاعر من عالم الحس المحدود إلى عالم المطلق اللامحدود، وإن وجدت شواهد التاريخ وشواهد خبرتك فى الحياة قد تقطرت إلى ذهنك بفعل الصورة المحسوسة التى طالعتها فى القصيدة، فاعلم أنك إزاء شعر عظيم :
يهمُّ ويعييه النـــهــــوض فيجثــــــــم
ويعزم إلا ريشه ليس يعــزمُ
لقد رنق الصرصور وهو على الثرى
مكبٌّ، وصاح القطا وهو أبكم
يلملم حدبـــاء الــقــدامــــــى كـــأنـــها
أضالع فى أرماسها تتهشــــم
ويثقله حمل الجـنـاحيـــــن بعــدمـــــــا
أقلاه وهو الكاسر الـمتقــحــم
جناحين لو طارا لنصَّت فدوَّمت
شماريخ رضوى واستقل يُلَملم
ويلحظ أقطار السماء كأنه
رجيم على عهد السموات يندم
ويغمض أحيانًا : فهل أبصر الردى
مقضًّا عليه أم بماضيه يحلم
إذا أدفأته الشمـس أغفـــــى وربمــــــا
توهمها صيدا له وهو هيثــــم
لعينيك يا شيخ الطــيـور مـهــــابـــــــة
يفر بغاث الطير عنها ويهـزم
وما عجزت عنك الــــغـــداة وإنـمـــــا
لكل شباب هيـــبةٌ حين تهـــــرم
وقفة الشاعر هنا أمام العُقاب المحطم المهدد ، شبيهة فى جوهرها يوقفة الشاعر القديم أمام الطلول .
شعر العقاد أقرب شىء إلى فن العمارة والنحت.
والقصيدة عنده بناء من الصوَّان.
والقلم فى يده هو إزميل النحات.
ولا يكتفى الدكتور زكى نجيب محمود بذلك، فينتقل إلى قصيدة «أنس الوجود» ليقارن فيها بين المحسوس والخالد فى وقفة الشاعر أمام معبدين، وهذه الوقفات التى يقفها العقاد الشاعر مليئة بالروعة التى نحسها إزاء الأبعاد والأحجام، وتأتى من المعانى المطلقة بالقياس إلى شعورنا إزاء المعانى المحددة المقيدة.
ويختم المؤلف هذا الفصل العميق الشيق، بأنه لم يتجاوز بالقارئ بضع صفحات من الجزء الأول من ديوان العقاد، وله من الدواوين عشرة، وأن موعده مع نفسه ومع القراء كتاب يحلل به هذا الشعر الخالد وهذا الشاعر العظيم.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com