فلسفة العقاد من شعره
ــــ 6 ــــ
مما تقدم نرى ـ فيما ينوه الدكتور زكى نجيب محمود ـ أن فلسفة العقاد روحانية، سواء فى نظرته إلى الوجود، أم فى نظرته إلى وسيلة الإنسان لمعرفة الوجود، فالكون عنده روح نلمسها بيد من المادة، اى أن الروح هى حقيقة الوجود، والمادة وسيلتنا إلى معرفتها.
ومن أجمل وأعمق ما قرأته شخصيًا تعبيرًا عن ذلك، ما كتبه العالم الجليل الأستاذ محمد فريد وجدى، الذى يحمل الأستاذ العقاد إكبارًا عظيمًا له، وكان أول من عمل معه وسنه ستة عشر عامًا فى صحيفة «الدستور» التى أنشأها. قال الأستاذ محمد فريد وجدى فى كتابه «الإسلام دين عام خالد» ـ قال إن البحث فى الدين هو بحث عن الأصل المعنوى الذى يقوم عليه من الروح الإنسانى الصميم، لا عن الإشكال والمظاهر الخارجية، ومن ينظر للإنسان يرى له وجودين متميزين: أحدهما صورى مادى مرتبط بمادة الكون، وثانيهما روحانى مرتبط بشىء أرقى من مادة الكون، وعالم أرفع من عالم النواميس والقوى التى لا نشعر بوجودها، وهى روح الكون نفسه.
وربما خطر للمفكر العصرى أن يهمس لنفسه: هل للوجود روح حتى يصح أن ترتبط بها روح الإنسان ؟
أجل، فيما يجيب الأستاذ محمد فريد وجدى.. إن للوجود روحًا كما أن له مادة.. ألا يرى الناظر المتأمل فيه تحليلاً وتركيبًا ، وإيجادًا وإعدامًا، وتصويرًا وإبداعًا، وتوفيقًا ونظامًا، وتدريجًا وإحكامًا ؟ وألا يرى فيه ترقيًا مطردًا، وتكملاً متواصلاً ؟ هل رأى زهرة شذية فسأل نفسه كيف تكونت وخرجت من الأرض الميتة، وكيف تآلفت ألوانها الفاتنة، وتركب عبيرها الفواح، ولطفت حتى يكاد لا يحس بها ! هل تأمل الماء الذى يشرب منه فراتًا زلالاً ؟ مما نشأ ؟ وكيف لا ينضب ؟ ودائرة الخلق المحكمة التى تبخر ماء البحار ليصعد إلى الطبقات العليا سحابًا مملوءًا بالماء، ما يكاد يلامس قمم الجبال الشامخة وترتفع برودة الجو، حتى يهطل ماءًا فراتًا طيبًا!!!
والأستاذ العقاد كثيرًا ما يشير فى شعره إلى ذلك الأصل الروحانى الكامن المبدع الخلاق المرتبط بكلمة «الحياة»، لأنه هو ـ الحى ـ الذى ندركه عن طريق الحياة التى تدب فى أوصالنا.
فالحياة المطلقة أسبق وجودًا من الحياة المتجزئة الموزعة فى الكائنات الحية التى نحن من أفرادها. عن ذلك يقول الأستاذ العقاد:
لولا الحياة لما تمـ ت حفل زينتها الطبيعة
لما تمنت أن ترى من نفسها الصور الرفيعة
حييت وعلمت الحيا
ة النطق فهى لها مطيعة
فرأت حلاها فى ريا ض الزهر حالية مريعة
ورأت صباها فى وجو
ه الحسن والغرر البديعة
ورأت سناها فى مصا
بيح السماوات الوسيعة
وتناضلت بيد الفتى
وحبت بأطراف الرضيعة
وترددت فى صارع بين السباع وفى صريعة
فى الثلج نابضة وفى
ريح السموم لها طليعة
ورأت قواها فى الريا
ح واللجج الدفوعة
ورأت نجى ضميرها
فى النفس مبصرة سميعة
نحن المرايا وهى لا ترضى بمرآة صديعة
لا تغبطينا أيها الأحجا
ر فاللقيا سريعة
فغذا تشرفك الحيا ة ونحن أحجار وضيعة
تتبدى الحياة الخلاقة فى الطبيعة صورًا وأشكالاً، ندركها إذا أرهفنا الحس إلى الكائنات من حولنا.
والعجب أت تكون الدنيا مليئة بالشواهد على ذلك، ثم نرى منَّا من يتخطاها دون أن يتفطن إليها رؤيةً واعتبارًا.
يا طالبًا فوق الحياةِ مدًى له يعلو عليها ـ هل بلغتَ مداها؟
ما فى خيالك صورة تشتاقها إلا وحولك ـ لو نظرت ـ تراها
ولو استويت على الخلود وجدتها كفؤًا لعينك لا تروم سواها
وإذ كان سر الكون روحًا، فإن أداة معرفتنا بذلك السر هى جانب فينا مستعد بطبيعته لإدراك هذه الحقائق الروحية، كالحدس أو الوجدان أو البصيرة أو البداهة أو الفطرة أو الغريزة.
هناك نوعان من الإدراك بالحقائق.. إدراك أمر الطبيعة وظواهرها والعلم وقوانينه، ويكون بالحواس فالعقل.
أما إدراك الحياة الكامنة وراء الطبيعة وسريانها فى الكائنات، فتكون أداتنا «اللمح الوجدانى»، او هى الحدس، أو هو على حد تعبير الفلاسفة «عيان روحى مباشر»، لا يُطلب فيه تحليل ولا تعليل، وذلك هو الإدراك الصوفى، وكذا الإدراك الفنى لحقائق الوجود.
ولكل من هذين الجانبين أداته ووسيلته، وإلاَّ ضل بنا السبيل ووقعنا فى الحيرة التى يقول عنها الأستاذ العقاد:
أين الحقيقة؟ لا حقـيـ
قة كـل مـا زعمـوا كـلام
الناس غرقى فـى الهـوى
لـم ينـج قـس أو إمـام
إن الحقـيـقـة غـــادة كالغيـد يضمرهـا اللثـام
كـل يهيـم بهـا فــإن
لاحت لهم صدوا وهامـوا
كم أشرق الحق الصـرا
ح فأعرضـت عنـه الأنـام
والناس لـو تـدرى خفـا
فيش يطيب لهـا الظـلام
لا حق إلا أنه
لا حق فى الدنيا يرام
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com