من المتيقن عزم روسيا المضي مع الصين إلى نهاية الشوط لاعتماد نظام دولي جديد يخلف «الأحادية الأميركية»، فى معيّتها هيمنة الغرب، لنحو قرنين من الزمان على أقاليم العالم المختلفة، ذلك قبل أن تتجه موسكو وبكين فى نهايات القرن العشرين للانفتاح- بعد لأْي- الواحدة بعد الأخرى على المرحلة الرومانسية التى سبق لنظاميهما الاشتراكي التطلع للوصول إليها، تحت نهج قيمي من البيروقراطية الديمقراطية، وفى ظل حكم الرجل الواحد، حيث تحقق للدولتين الشرقيتين الكبيرتين تقدم فى كل المجالات يتيح لهما منافسة الغرب الذى بادر من ناحيته بمحاولة حصارهما فى محيط أمنهما الحيوي، سواء بامتداد حلف «الناتو» شرقًا منذ التسعينيات نحو الفضاء السوفيتى السابق.. أو سواء من خلال توجه الإستراتيجية الأميركية الدفاعية الجديدة منذ العام 2010 إلى منطقة آسيا- المحيط الهادى،
لمنافسة الصين فى عقر دارها عند بحر الصين الجنوبى.. أو سواء عبر «الحروب التجارية» وفرض العقوبات الدولية عليهما، ذلك قبل أن تتفجر الأوضاع بين المعسكرين على خلفية تفاقم الأزمة الأوكرانية منذ العام 2014، إلى أن دار القتال بشأنها فى فبراير 2022، لكن مع توخي الحذر لئلا تتحول الحرب فى
أوكرانيا إلى مواجهة مباشرة- تقليدية أو نووية- بين قوات «الناتو» والجيش الروسى، مع تحذير أميركى للصين بعدم التدخل فى الجبهة الأوكرانية بجانب روسيا المستهدف استنزاف وإنهاك قواتها على الصعيد العسكرى والاقتصادى (تشديد العقوبات المالية الغربية على روسيا)، حتى بدا العالم وكأنه بصدد الخوض فى حرب اقتصادية، إذ تبادر روسيا والصين بدورهما فى تسريع خطاهما للرد على الإجراءات العقابية ضدهما من خلال العزم على إقامة نظام مالى عالمى لا يعتمد على «السلّة الدولارية»، حيث لم تتوان روسيا من الاعتراف رسميًّا بـ«اليوان» الصينى كعملة بديلة للدولار بالتوازى مع استبداله بعملتها «الروبل» فى عمليات بيع النفط والغاز الروسى.. خاصة للاتحاد الأوروبى الذى يشتريه يوميًّا بقيمة 660 مليون دولار؛ أي ما يساوى حاليًّا 6.6 مليار روبل يوميًّا، ما يعنى أن الاتحاد الأوروبى مطالَب يوميًّا بتوفير 11 طن من الذهب لشراء 6.6 مليار روبل لتلبية احتياجاته اليومية من
النفط والغاز الروسى، ذلك فيما تسعى الصين لدعم العملة الموحدة لمجموعة دول «بريكس» على غرار «اليورو» الأوروبى، خاصة إذا صحّت الشواهد من ناحية أخرى عن بيع السعودية نفطها باليوان ضمن اتفاقية مع الصين، لربما تتبعها دول الخليج، ما يعنى بداية أفول الدولار الأمريكى، ناهيك عن إحياء بكين لطريق الحرير عبر عدد من دول العالم، ما قد يتيح لأوروبا التحرر من اتفاقيات أميركية كبّلتها من بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم إلى علاقات اقتصادية كبيرة مع الصين، وحتى مع روسيا، كمسألة وقت، الأمر الذى يدعو الدبلوماسية الأميركية، وفى معيّتها الاحتكارات المالية للصهيونية الدولية، إلى استباق انهيار مكانة الدولار فى العالم، ذلك من خلال قيادتهما لاجتماع «النقب» 26 مارس الحالى الذى ضم إلى جانبهما كلًّا من وزراء خارجية المغرب- مصر- الإمارات- البحرين، وبالصورة اللافتة لأياديهم المتشابكة، ربما لمحاولة إحياء سابق الازدهار التجارى للستار الإسلامى من طنجة إلى البحرين، ضمن سياسات القرن 16، حين كانت مصر و«فلسطين المحتلة».. واسطة العقد الجيواقتصادى والسياسى من المحيط إلى الخليج، المراد ربطه مجددًا برعاية أميركية- إسرائيلية، وما إلى غير ذلك من جولات حرب العملات التى تحولات من إجراء عقابي غربي إلى سلاح فى يد روسيا و«الصين» أقوى حتى من السلاح النووى، ما يمثل لحظة فارقة فى تاريخ الإنسانية لعلها تنقذ نفسها من خلال إثخان القوى العظمى لبعضها البعض، فيما قد يتشكل نظام عالمى تعددي أكثر عدلًا.. ما بين أتون التلويح النووى وحرب العملات.