من المتفق عليه أن كانت مصر ولبنان من أهم مراكز الفكر العربى منذ بدايات القرن العشرين، تجاوبًا وتكاملًا، وإلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث آل للولايات المتحدة الإرث السياسى للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية فى الشرق الأوسط، بالتوازى مع انشغال مصر من مطلع الخمسينيات بدورها السياسى فى مواجهة الإمبرياليات الغربية القديمة والمستحدثة، وليئول إلى لبنان منذئذ وحتى نهاية العام 1973.. الانتعاش الاقتصادى الذى كان لمصر قبل أن تتمازج السياستان الأميركية واللبنانية حول المنظومة العربية، وصولًا إلى العصر الذهبى لهذا البلد الصغير، الذى بلغ بإرثه المالى وفى نظم الإدارة فى الستينيات.. مصافّ الدول العشرين الأعلى عالميًّا على صعيد مستوى المعيشة والأمن والسياسة، كخلية نحل لا تهدأ ولا تملّ، وليبلغ فائض الميزانية نحو 9 مليارات دولار فيما لا تتجاوز نسبة البطالة %0.3، ذلك قبل أن يتراجع مركزها مع تعقيدات الحرب والسلم فى المنطقة، إلا من وقوف لبنان إلى جانب مصر سواء فى أزمة (1958 الشهابية).. أو فى سياق اتفاق القاهرة 1969.. إلخ، ذلك قبل اندلاع الحرب الأهلية فى لبنان 1975، وتوابعها الأمنية والسياسية حتى الآن، حيث تطالب القاهرة برفع الأيدى عن لبنان لكن دون آذان صاغية من الأطراف المحلية والإقليمية والسياسية، إذ اعتبرت الساحة اللبنانية بمثابة الفائض الجغرافى والسياسى لمشاكل المنطقة المتشابكة على هذه الصُّعد، فيما بدت سياسة كل من مصر ولبنان فى أعقاب «كامب ديفيد» وكأنهما فى طريقين مختلفين لا يجمع بينهما سوى الانحسار المطّرد لدوريهما عن ذى قبل، إلا لو تنشّطت مجددًا القاطرة المصرية منذ 2013 حتى يمكنها منح لبنان مجددًا ما قد يعينه على تجاوز محنته الطويلة، خاصة أن البعض من أطلالها لا يزال من المستطاع البناء عليه، كالنظام القضائى والبنك المركزى، ناهيك عن الزخم الجماهيرى لمسيرة 2019 لإنهاء الإقطاع السياسى العائلى والطائفى فى لبنان، إلا أن مواجهة الجماهير التى باتت غير صامتة بالمطلق.. يعجزها سطوة «حزب الله» المربتط مذهبيًّا بإيران وسياستها الإقليمية، بحيث أصبحت له السيطرة منذ 2016 على مفاصل الرئاسات اللبنانية الثلاث (الحكومة- البرلمان- الرئيس)، بحيث أصبح غارقًا فى التحكم بالاقتصاد، وليس الحرب على إسرائيل التى تثير غاراتها «الصوتية» الرعب فى بيروت إلا من تلويح الحزب بالمقاومة لضمان ربط إيران ودورها الإقليمى بالحصول على «الطاقة النووية»، الأمر الذى تدور حوله المحادثات الدولية فى «فيينا» التى قاربت «نقطة القرار» بشأن تجديد اتفاق يوليو 2015 بشأن البرنامج النووى الإيرانى، إذ ليس من المستبعد أن يعاود الرئيس «بايدن» عندئذ ما سبق لسلفه الأسبق أوباما فى2016.. مطالبة «عرب الخليج» بتقسيم النفوذ مع إيران، ما يدعو «حزب الله» اللبنانى إلى استباق توظيفه للأحداث، بانتظار الوعد الأميركى المؤجل، وذلك بالإطاحة بمصالح لبنان ورغبته لتصويب علاقاته مع دول الخليج التى تبلغ ودائعها لدى البنك المركزى مليارات الدولارات، وهكذا وسط هذه السياسات المتقاطعة حول لبنان المضطرب ليس بالوسع المجيء بجديد حتى الآن عند قراءة أوضاعه، إلا أن الشيء الأهم فى لبنان وهو تحت الاحتلالات المتتالية، الفلسطينية- الإسرائيلية- السورية- الإيرانية، بقاؤه على علاقات مميزة، سواء مع المجتمع الدولى أو العربى، وليظل لبنان عالقًا ديمقراطيًّا بالانتخابات المقبلة، هذا العام، فلو جاءت الأكثرية النيابية لغير صالح «حزب الله» فإنها لن تعنى شيئًا ما دام سلاح الحزب موجودًا ومشهَرًا فى وجه الجماهير التى ليست غير مبالية إزاء سطوة إيران أمام الضعف العربى، فيما الأمل معلَّق بالصحوة المصرية فى الداخل وعلى الصعيد الإقليمى والدولى لربما تمد اليد حينئذ إلى لبنان لكى يقوم من تحت الرماد.
شريف عطية
8:34 ص, الأحد, 20 فبراير 22
End of current post