من تراب الطريق (1279)

من تراب الطريق (1279)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:57 ص, الأحد, 13 مارس 22

أزمة الزعامة السياسية

(9)

تستطيع أن تقول إن «جان بول مارا»، قد جنبه «إغتياله» من المصير المحتوم الذى كان يتجه به إلى المقصلة، وقصته مع الثورة تورى بهذا، وبأنه كان بعد شعبية هائلة، ينحدر إلى سفح المقصلة التى أطاحت بكثير من الرءوس، قربانًا لثورة الحرية والمساواة والاخاء. كان «مارا» الصحفى الأكثر نفوذًا خلال الثورة الفرنسية، ومهد لشعبيته صحيفته المسماة بـ «صديق الشعب»، وكانت أكثر الصحف الراديكالية شهرة إبان الثورة، ويعود الفضل إلى صحافته الاستفزازية فى لعبه دورًا مهمًا فى العديد من الأحداث الراديكالية للثورة، بما فى ذلك مسيره المرأة إلى فرساى، وتعليق النظام الملكى ومذابح سبتمبربدأ حياته العملية فى سن السادسة عشرة، حين تولى فى بوردو تعليم أولاد تاجر سويسرى يدعى «نيراك» ذى خلفية سويسرية وعقيدة «كالفنية» نسبة إلى «كالفن»، وبعد سنين انتقل إلى باريس فى 1762 حيث درس الطب دون أن يحصل على دبلوم، وبدأ مزاولة الطب من عام 1765. لم يكن الطب يستغرقه، وجذبته الدراسة الفلسفية، وانجذب إلى روسو و مونتسكيو، وأقام إحدى عشرة سنة متصلة بين إنجلترا واسكتلندا ( من 1765 إلى 1776 ) وألف فى تلك الأعوام كتابه المهم «أغلال العبودية»، وبعد عودته إلى باريس افتتح عيادة عام 1776، وكان قد حصل على الدبلوم فى إنجلترا،ثم عين طبيبًا للحرس الخاص بالكونت «دارتوا» ومكنه ذلك من التعرف على كثير من النبلاء، وتحقيق النجاح الإجتماعى.

ودعنا نغضى عن سرد باقى تفاصيل حياته، فالمهم هنا كيف التحق بالثورة، ونال مكانة عريضة فيها، ثم كيف تعرض للقبض عليه بأمر من «لافييت»، لولا أن نجح

«دانتون» فى تهريبه على ما اسلفناه، وكيف كان ينحدر تباعًا إلى المقصلة!

كان قد أصدر فى سبتمبر 1789 جريدة «صديق الشعب»، وعنى فيها بالتحليل السياسى، وفى البداية كان يتلقى بعض الإعلانات من بعض التقدمين الإنجليز لإصدار جريدته، وكان هذا سببًا فيما بعد لاتهامه بأنه يتلقى معونات من الخارج، ثم اقتصر فى الإنفاق على «صديق الشعب» بما كان يتلقاه من إعانات من نادى «الكوردلييه»، الذى يرأسه «دانتون» الذى حماه من مطاردة لافاييت والبوليس على نحو ما مر بنا.

وكان مارا هو الذى قاد الثورة الشعبية فى مايو / يونيو 1793، وظلت شعبيته واسعة بين الجماهير، وفى بداية عام 1793 قاد الحملة على «الجيروند» بسبب خيانة «ديموريتيز»، وقد حاول الجيروند محاكمته، ولكنه خرج منتصرًا.

ومن أجل «الجيروند»اغتالته «شارلوت كورداى» فى 15 يوليو 1793 فى منزله بعد أن استدرجته إلى الإفصاح عن دمويته تجاه «الجيروند»، بأن سردت له بناء على طلبه أسماء النواب «الجيروند» اللاجئين فى «كان»، وإذا به بعد كتابة الأسماء يعقب قائلا «هذا طيب! فى خلال ثمانية أيام سيذهبون إلى المقصلة»!.. كان هذا ما تريد أن تعرفهلتأكيد عزمها على اغتياله، واستلت سكينًا أغمدته فى صدره، ولم تسعفه استغاثته بصديقته «سيمون إيفرار» المقيمة معه، والتى تزوجها على نظام روسو.. أى أمام الشمس والطبيعة، وأسلم الروح فى لحظات، وذكرت شارلوت إنها «قتلت وحشًا كاسرًا كان يلتهم كل الفرنسيين» واقتيدت «شارلوت» إلى المقصلة بعد يومين!

ولولا هذا الاغتيال، لكان مصيره المحتوم إلى المقصلة!

أجل، بعد اغتياله ازدادت شعبيته، وقيلت فيه القصائد، ولحنت الترانيم، وسميت الأماكن والميادين والشوارع والمدارس باسمه، بيد أنه لم تمض سوى أربعة أشهر، إلاَّ وأحرقت صورة «دمية» ترمز له فى فناء نادى اليعاقبة، وألقى الرماد فى مجارى

«مونمارتر» التى كانت قد غيرت اسمها إلى «مونمارا»، واختفى قلب مارا من نادى

«الكوردلبيه» ولما لم يتقدم أحد من أصدقائه لطلب رميمه، الذى كان مدفونًا بمقبره بحديقة نادى «الكوردلبيه»، ومنقوش عليها:«هنا يرقد مارا صديق الشعب، قتله أعداء الشعب»، أخرج الرميم من المقبرة وصرح بدفنه فى أقرب جبانة.

لو كان «مارا» حيًّا لكان مصيره المحتوم المقصلة، لولا أن اغتيل قبل أربعة أشهر من الانقلاب عليه!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com