من تراب الطريق (1278)

من تراب الطريق (1278)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:46 ص, الخميس, 10 مارس 22

أزمة الزعامة السياسية

(8)

لم تكن رأس «روبسبير» هى الوحيدة التى طيرتها المقصلة فى 28 يونيو 1794، وإنما طارت مع رأسه رأس أخرى، هى رأس «ملاك الموت» «سان جوست» ( لويس أنطوان دى سان جوست ) كان أصغر النواب المنتخبين فى المؤتمر الوطنى عام 1792، وزادت شهرته يوم ألقى خطابًا ناريًّا فى المؤتمر الذى أدان الملك لويس السادس عشر، إدانةً هى التى شيعته إلى الجيلوتين. يومها أشعل «سان جوست» المشاعر حين طالب بأنه لا يجوز أن يعامل لويس كملك مثل أبيه، أو حتى كمواطن، بل هو خائن والخائن عدو للوطن وللشعب. وقد كان «سان جوست» هو قائد الحركة التى دفعت بالملك لى المقصلـة، وحـاز عن جدارة لقب «ملاك الموت»، وظل خلال الثورة زعيمًا لنادى اليعاقبة، وصديقًا صدوقًا لأيقونة الثورة «روبسبير»، وكما تصاحبا صديقان فى الثورة، أُرسلا معًا إلى المقصلة، وطارت رأساهما معًا، ومن المفارقات أن لقبه «ملاك الموت» قد صاحبه لقب عكسى : «القديس».. عمل كمشرع للثورة، ومفوضًا عسكريًّا منها، وطارت سمعته فى الآفاق، ولكن الأيام حُوّل قُلب، أو دعونا نقول إن قادة الثورات يأكلون بعضهم بعضًا، وهذه سُنّة لم تنـج منهـا ثـورة. مـن زعامتـه لحـزب «الجاكوبيين» الثورى المتطرف، تحول إلى «طريد» للثورة، وكان الذين يجلّونه ورفعوه إلى عنان السماء، هم الذين أوقعوا به وهبطوا به إلى الحضيض، أُعدم على المقصلة وسنّه 26 عامًا، فهو مولود 1767، وكان الهبوط الذى أنهى حياته هذه النهاية، أسرع من رحلة الصعود التى بوّأته زعامة الثورة مع روبسبير، ثم دفن بعد إعدامه فى «سراديب الموتى» فى باريس!

وحين يُذكر «روبسبير» و «سان جوست»، يقفز إلى الخاطر «جورج دانتون» فقد تحول ما يكاد أن يكون حلفًا ثلاثيًّا،إلى الانقلاب على «دانتون»، انقلابًا لا يتفق مع أسباب صعود نجمه، لولا معاول الهدم الذاتية التى تصيب قادة الثورات.

كان «دانتون» قائدًا لنادى «كورويليرس» أحد الأندية الشعبية للثورة الفرنسية، وصار النادى تحت قيادته قوة سياسية كبرى. ألقى خطابات نارية متكررة فى نادى اليعاقبة الذى كان يتزعمه «سان جوست»، وشارك فى المسيرة الحاشدة الغاضبة التى اتجهت إلى قصر «التويليرى» حيث أقام الملك، وقتلوا الحرس السويسرى الذى كان مكلفًا بحمايته، فاضطـر لويـس السـادس عشر وعائلته إلى الفرار، وكان هذا الحادث مقدمة للإطاحة بالملك وإعدامه على المقصلة.

يعتبره عديدون من المؤرخين «القوة الرئيسية» فى الإطاحة بالنظام الملكى وتأسيس الجمهورية الفرنسية الأولى، وأصبح أول رئيس للجنة السلامة العامة.

بيد أن «دانتون» كان رجلاً «غامض الولاء»، ويحتفظ بكثير من روابطه السياسية فى «الخفاء»، وقد أُتى من هذا، فقـد قيـل عنـه إنـه وراء تمكيـن «مارا» من الفرار من أمر القبض عليه الذى أصدره «لافاييت» وبعث بقوة من ثلاثمائة رجل من الحرس الوطنى للقبض عليه، ولكن «دانتون» أقنع الشرطيين بأن أمر القبض على «مارا» قديم، يرجع إلى تاريخ سابق، وأنه لابد من الرجوع إلى الجمعية الوطنية قبل تنفيذه، فلما أيدت الجمعية الوطنية قرار القبض، كان العصفور قد طار من القفص فى طريقه إلى إنجلترا، وكان أن أعتبر «دانتون» مسئولاً عن تهريبـه، وأصدرت محكمـة الشاتليه فـى 17 مـارس 1970 أمرًا بالقبض على «دانتون» للتستر على «مارا»، ولكن أمر المحكمة أُهمل تنفيذه.

لوحظ عليه أن غضبته لهرب الملك فى 21 يونيو 1792 كانت بالغة العنف لا ضد الملك وإنما ضد «لافاييت»، ومع أن «روبسبير» كان على علم بما يؤخذ عليه من مآخذ، ومنها هروبه إلى الريف ليبتعد عن التدخل فى مذبحة «شان دى مارس» إلاَّ أنه استمر فى التعاون معه حتى محاكمته عام 1794.

كان رأى «لامارتين» فيه، فى كتابه «تاريخ الجيروند»، أنه رجل مجرد من الشرف ومن المبادئ، ولا يحب الديمقراطية إلاَّ لما تعطيه له من انفعالات، بينما كان فى الواقع يعبد القوة والقوة وحدها.

جاء مشهد النهاية، كالمتوقع فى تنافس الزعماء، بعريضة اتهـام أعـدهـا «سان جوست»، اتهمه فيها بأنه كان فى إنجلترا فى 17 يوليو 1789، أى بعد قيام الثورة بثلاثة أيام، وكان «لالوسرن» سفير فرنسا فى لندن آنذاك، فكتب إلى وزير خارجيته بفحوى حديث دار بين «دانتون» و «دوق أورليان» الذى كان مبعدًا فى إنجلترا، وأُخذ على «دانتون» أنه كان «عميلاً مزدوجًا» واتهمـه و روبسبير بمناصـرة «ميرابو» والملكيين الدستوريين ودوق أورليان، وطارت رأسه على المقصلة فـى 5 أبريل 1794، قبل شهرين فقط من الإطاحة برأسى «روبسبير» و«سان جوست»، اللذين شربا من ذات الكأس التى طِيرا بها رأس «دانتون»!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com