درينى خشبة من تانى
(2)
إلمام المخرج المسرحى بذلك كله، يجب أن يكون أعرض.. فعلى أكتافه يقوم تجسيد كافة الأدوار والعناصر المسرحية، فهو المهندس المسرحى الأكبر الذى يرسم كل شىء، ويضع لكل حركة تقديرها ووسائلها ومصاحباتها ومؤثراتها، ويخلق الجو الذى تعيش فيه كلها.. المنصة، صالة المتفرجين، ومضات الإضاءة، الديكور، هندسة الصوت، المؤثرات.. وغير ذلك كثير يحتاج من المخرج أن يكون على إلمام بتطور فنون المسرح فى كل ذلك عبر عصور التاريخ المسرحى.. كذلك مساعدوه وأعوانه حتى عمال النظافة.. فكل واحد من هذا العالم المشغول بتجسيد وتهيئة المسرحية، ينبغى أن يعرف صلة التمثيل بالمنظر، والمنظر بالإضاءة، وصلة الإضاءة والمنظر والتمثيل ـ بخلق المزاج النفسى والجو العام.. وصلة الحركة التى تجرى وسط هذا كله بهذا كله.
كاتب المسرح لا يمكن أن ينهض بكتابة المسرحية ما لم يكن ملما بكل هذه العناصر والفنون.. لن يكون بمستطاعه أن يصل بغير ذلك إلى روح الفن المسرحى المتكامل، ولا إلى كتابة المسرحية الفنية والمتكاملة التى يربط التناسب بين أجزائها.. لذلك كان أعظم كتاب المسرح هم الذين شبوا فى أكنافه وتربوا فى أحضانه ونهلوا مباشرة من موارده.. ويكفيك أن تتابع اهتمامات توفيق الحكيم المبكرة بكواليس المسرح، أو نشأة بديع خيرى وأترابه فى أكناف المسرح، لتقتنع بأن الكاتب المسرحى هو ابن للتربة المسرحية إن جاز التعبير.
لا يكتب الكاتب المسرحى منفصلا عن عناصر المسرح وأطرافه وإمكانياته.. تجد فى حسبانه كل صغيرة وكبيرة مما يمكن أو لا يمكن تنفيذه على منصة المسرح.. الكل حاضر فى وجدانه وهو يخط كل فصل وكل مشهد : المنصة، الديكور، الإضاءة، المؤثرات، الممثل، المصور، المصمم، المهندس، الملقن..
فى إحاطة شاملة قدم كتاب « تاريخ المسرح فى ثلاثة آلاف سنة » ـــ موكبا حاشدا لتطور المسرحية والتمثيل والإخراج والمناظر المسرحية، وعن تطور المذاهب الفنية والفلسفية المختلفة التى طرأت على هذا كله عبر ثلاثة آلاف سنة، رابطا بين هذه العناصر ربطا شائقا يضم عشرات الصور والرسوم التى تزيد البحث بيانا وتقدم صورة حية لما حفل به هذا التاريخ الحاشد الضخم من أحداث وتطورات، عبر الزمان والمكان.
خذ الممثل مثلا.. هذا الوسيط الإنسانى الذى تحدثنا المسرحية بلسانه، والذى يضفى على الفن نضرته وعمقه وإنسانيته.. إن تاريخ الممثل فى العمل المسرحى شاهد على كونه جسرا عبر بالعمل المسرحى من ماضيه السحيق إلى الحاضر، وقصته فى التمثيل توضح حقائق تنطبق على جميع الفنون المسرحية، ويستشهد تشينى على ذلك بالمحاولات التى بلغت حد المروق عن الطرق التقليدية للاتجاه نحو المذهب الطبيعى، والتى يلاحظها المتابع للمسرح اليونانى كما يلاحظها فى غيره.
ففى بلاد اليونان كان فن التمثيل المسرحى يتألف من فخامة آسرة فى الإشارة والحركة مضافاً إليها جمال النطق والإلقاء الصحيح السليم، مصحوبا بالتأنى والقوة.. وعلى مسرح واسع شاسع، يختبئ وجه الممثل تحت قناع فضلا عن الملابس الفضفاضة الثقيلة والأحذية ذات النعال الكبيرة.
ومع تغير هذه الأحوال، ومجىء الأنـوار الكهربائية آخر الأمر، بدأ التمثيل المسرحى يهجر شيئا فشيئا هذه الطرق التقليدية، ويقبل على الأسلوب الطبيعى، ويترك التصوير الزائف المصطنع وفن المحاكاة ـ حتى وصل إلى التصوير الفوتوغرافى وصار أكثر إنسانية وأقرب إلى الواقع وأشبه بالحياة المألوفة فى زمانه.
كان هذا هو أيضا شأن المسرحية. كانت هناك ذات الهوة التى تفصل بين التمثيلية بأعماقها العاطفية التى يمكن أن ينتهى مداها، وشعرها الجميل الشائق، ومن قبله الرقص والإنشاد البدائيان، واللذان كانا الخطوة الأولى نحو الفنون والبذرة الأولى للمسرح ـ وبين تمثيليات زماننا بكل مقاييسها ومعاييرها الحالية.
من نصف قرن عشت نشوة غامرة مع صفحات هذا الكتاب المشبع فى كافة فنون المسرح، ولم أعثر ـــ ولعله لم يصادفنى ـــ على ترجمة المجلد الثانى لإتمام هذا العمل الجليل الذى أنجزه الأستاذ درينى خشبة من أكثر من نصف قرن، استكمالا لهذه المهمة التى تسد فراغاً مطلوبا ملؤه فـى مكتبتنا المسرحية!
www. ragai2009.com
rattia2@hotmail.com