تاريخ مصر المعاصر مفعم بموروثات السلف، حيث يعانى الخلف من جراء تسوياتها، ما بين صراعات المياه النهرية، وحول شرايين الملاحة البحرية، ناهيك عن تطويع السيادة الوطنية لـ”مراقبى الدين” إلى احتلال الأرض بالقوة العسكرية أو بالاستيطان العنصرى، ولتضيع الحقوق ما بين الإفراط فى النوايا الطيبة (..) وبين الرضوخ لإجراءات أحادية لمن يملك القوة على الأرض.. يفسر من خلالها مفهومه لتأويلات متضاربة عن قرارات أممية 242 (فى العام 1967، إعلان المبادئ بشأن مياه نهر النيل 2015)، وما إلى غير ذلك- مثالًا لا حصرًا- من وراثة النظام الجمهورى 1953 عن أسلافه- عبء مواصلة السعي نحو الاستقلال من نير الاحتلال البريطانى 1882، وفى الخلاص من أعوانه، إلى انتزاع حق المصريين فى قناة السويس 1956، إيذانًا بالحرب على مصر من أعتى القوى الإمبريالية العالمية منذ حرب السويس منتصف الخمسينيات إلى حرب الاستنزاف 1970 قبل رحيل «عبد الناصر» عن دنيانا، فيما سيناء لا تزال محتلة.. بانتظار قرار «خليفته السادات» في شأنها 1973 بحرب محدودة، من المحال فى ظل موازين القوى للظروف الإقليمية والدولية القائمة حينئذ.. استكمال تحريرها- من وجهة نظره- دون تقديم تنازلات للمحور الأميركي- الصهيونى وفقًا لمعاهدات موثقة، بحيث كان من الصعب على خليفته «مبارك» التراجع عنها دون التعرض لمخاطر عدم الالتزام بها، الأمر الذى خيَّم على عهده- لثلاثة عقود- قبل نهايته المأساوى 2011، ولما تواتر بعده من تطورات خلال شهور حكم جماعة «الإخوان» عن القبول باقتطاع جزء من سيناء كوطن بديل للفلسطينيين «شرقًا»، وإلى الخفة السياسية فى التعامل مع إثيوبيا «جنوبًا» بشأن نواياها فى بناء «سد النهضة»، لولا استئناف مصر منذ 2013 وحتى الآن.. الدفاع عن سيناء فى مواجهة عمليات إرهابية تسعى لتحويلها إلى «ولاية إسلامية»، كذلك عن صمود مصر ضد الافتئات على حصتها المائية من نهر النيل، الأمر الذى يفوق- إنْ حصل- كل مخاطر الموروثات الشائنة من السلف إلى الخلف لنحو قرن ونصف قرن من الزمان، خاصة فيما يتصل بسياسة مصر الأفريقية التى كانت نصب أعين كل من الأسرة العلوية الحاكمة وطوال عهد عبد الناصر، قبل أن تتوالى التنازلات المصرية عن الشأن الأفريقى، والأمثلة على ذلك عديدة.. لربما يندى الجبين عن ترديدها (..)، ما أدى إلى تراجع الحضور المصرى فى أفريقيا، وهو ما لم يغب من ثم عن إسرائيل في الهرولة لملء الفراغ الناشئ عن غياب مصر التى وُلدت أفريقية، وتبقى كذلك لما لا نهاية.
وفى سياق انشغال مصر منذ الثمانينيات عن دورها الأفريقى، مقابل المصانعة مع إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية، ومع السعودية ودول خليجية من ناحية أخرى، واصلت إسرائيل مناوراتها بكل السبل لإرواء ظمئها من مياه «النيل والفرات»، سواء فى دولة أعالى نهر النيل (إثيوبيا)، أو أعالى نهر الفرات (تركيا)، استكمالًا للمشروع الأميركى 1951 لمدّ «ترعة السلام منها إلى دول الخليج وإسرائيل»، وهي المرفوضة وقتئذ عربيًّا، وصولًا إلى سد «أتاتورك» (77 مليار متر مكعب من المياه)، ما أدى اليوم إلى ما يهدد العراق بالجفاف، فضلًا عن ارتفاع نسبة ملوحة المياه اللازمة لري أراضيه، وفي سوريا، أما فيما يخص مياه النيل.. فقد شرعت إثيوبيا بالتوازي مع تقدم علاقاتها التاريخية بإسرائيل، إلى بناء «سد النهضة» (74 مليار متر مكعب) 2011، الأمر الذى سبق أن حذرت منه فى مقال بمجلة المصور أغسطس 1987 تحت عنوان «ظمأ إسرائيل»، وعن مناوراتها فى دولتي أعالى الأنهار طلبًا لمياه النيل والفرات، لكن لا حياة لمن تنادي منذ ذلك التاريخ، ولنحو ربع قرن تال، إلى أن أصبح الخطر ماثلًا يهدد حصص دول المصب العربية من مياه النيل والفرات، وذلك بالتوازى لما يحصل فى سوريا والعراق من انقسامات أهلية، إلى جانب معاناة مصر من الإرهاب فى واديها الخصيب وعلى حدودها الشرقية والغربية.. بينما يتهددها شح المياه من الجنوب، حيث لم تنفذ إثيوبيا أيًّا من بنود اتفاق «إعلان المبادئ» منذ توقيعه، فى العام 2015، ولتتلقى مصر فى 26 يوليو الماضى رسالة من إثيوبيا تفيد باستمرارها فى ملء خزان «سد النهضة»- ثالثًا- خلال موسم الفيضان الحالى (7 مليارات متر مكعب)، ذلك قبل ساعات من تعهد «السيسى» فى 6/ 8 الحفاظ على حصة البلاد من مياه النيل.. قائلًا «مياه مصر أمانة فى رقبتى ولن أسمح لأحد بالمساس بها»، ولو أن هذه الكلمات- كما يحدثنا التاريخ فى 1967- ليس لها مدلول سياسى محدد، وكـأنه يعاد صياغة نفس الأخطاء، إلا أن حالة التضامن التي قد تقودها مصر «العربية» مع السعودية ودولة الإمارات.. إذ يمكن أن يكون لها حينئذ دور كبير وفعال فى ملف «سد النهضة»، كما فى معالجة آخر موروثات عهود السلف لقرن ونصف قرن من الزمان، شرط أن تتضامن جهود المشايعين للعهود السابقة واللاحقة- ضد أو مع- ممن عاصروا حقب ملوك ورؤساء السلف الذين اقتاتوا الحصرم، فيما لا يزال أبناؤهم يضرسونها. * عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات