مصر.. للخروج من النفق

مصر.. للخروج من النفق
شريف عطية

شريف عطية

7:17 ص, الأحد, 3 يوليو 22

فى إطار التفاوت الطبقى القائم بين شرائح أوليجاركية محدودة تملك السلطة والثروة.. وأغلبية مسحوقة اجتماعيًّا تفتقد التوازن النفسى، تشيع أوجه الفساد فى مناحٍ مختلفة من الدولة، كما تتعدد جرائم قتل من البشاعة بمكان، وفى سياق انتشار ثقافة العنف، فيما يختزل المواطنون الدين فى طقوسه دون المعاملات، بحسبه، فيما بينهم، إذ فى هذا السياق يمضى عقد من الزمان على ثورة 30 يونيو الشعبية بقيادة القوات المسلحة ونخب أخرى.. كمرحلة فاصلة بين حقبتين، أولاهما علمية منضبطة.. تولّت مقاديرها أجهزة الدولة السيادية كالمؤسستين العسكرية والدبلوماسية.. وما إليهما من هيئات أُعيدَ تنظيمها منذ منتصف الخمسينيات، قبل أن تلحق بها فى منتصف السبعينيات الحقبة الثانية- ارتجالية الأداء- ولعقود تالية تفكّك خلالها العمل بمؤسسات الدولة على النحو المعمول به فى الحقبة الأولى، لكن دون المساس بأُطرها التنظيمية التى بقيت على حالها من حيث متابعة دراساتها العلمية ليوم مقبل سوف تحتاج فيه البلاد إليها.. لترميم ما لحقها من تجريف فى مجالات متعددة طالت الحكام والمحكومين.. لولا أن حافظت أدراج الدواليب المؤسسية على أوراقها العلمية، إلى أن أصبحت عنصرًا داعمًا فى العقد الأخير لترشيد الحكام الجدد، حديثى الخبرة بالسياستين الداخلية والخارجية، وهو ما ساعد على تنسم البلاد رياحًا نهضوية ليست غير مستجدّة.. يؤمل أن تشكل منعطفًا إستراتيجيًّا لخير شعبها، ومن خلال الآمال المعقودة على متابعة “الرئيس” الشخصية.. وللرجال من حوله لو أُحسن اختيارهم، ما يعيد تصويب البوصلة بين هاتين الحقبتين المتناقضتين طوال العقود السبعة الماضية، سواء فى تطلعاتهما أو هواجسهما، ولما يتصل بأوضاع مصر الداخلية وتحركاتها الخارجية.. التى لكل منهما خصوصيتها، سوى ما يجمعهما من سمة مشتركة تنحصر فى توابع ما قد يُعرف بـ”قلق الأيديولوجيا” الاقتصادية والاجتماعية، بين الشيء ونقيضه منذ عشية النصف الثانى للقرن العشرين إلى اليوم، حيث سطوة النواهى الخارجية فى صلب المتغيرات المحلية أحادية التفكير ما بين الانغلاق الشمولى “التوتاليتاري” أو الانفتاح الاستهلاكى العشوائى، ما تولّد عنهما ظواهر غير صحيحة، مختلفة شكلًا ومضمونًا على الصُّعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. أدت إلى انقسام عميق فى المجتمع بحيث بات من الصعب معالجته على أيدى علماء النفس أو الاجتماع الدينى أو اجتماع الجريمة والإرهاب، خاصة وقد تخلَّق عن هذا الانقسام المجتمعى قوى مؤدلجة باتت بمرور الوقت بمثابة دولة ضمن دولة.. يستحيل تقليم مثالبها دون التهديد بحرب أهلية على غرار ما لاح فى أفق الخمسينيات ومنتصف الستينيات إلى مطلع الثمانينيات، ولما يحدث فى البلاد منذ العام 2011، يفاقمها تردى الأحوال المعيشية للمواطن.. بحيث تقلصت المساحة المتاحة لإنعاش الحالة المصرية إلا بتعظيم مستوى الدخول من خلال مستخرجات الثروات المعدنية، بجانب توسيع الرقعة الزراعية، إلى استئناف بناء قاعدة التصنيع.. إلخ، حيث الأمل معقود على الحاضر والمستقبل لتحويل النقائض الداخلية إلى مزايا ثمينة تعمل فى تطويع تلك الظواهر المجتمعية من الجرائم الموحشة إلى الفساد المستطير، ليس أدلّ على بشاعتهما من تصريح لأحد قادة السلفيين أثناء حصارهم الإعلاميين بمدينة الإنتاج الإعلامى 7 أبريل 2013 حين قال على شاشة “العربية”.. “نحن نتدرب على الذبح”، وذلك فى الوقت الذى كان الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة يمارسون الضغط بشراسة على القوى المدنية من أجل التعاون مع جماعة “الإخوان”، لولا أن كان لمصر رأى مختلف فى أقل من ثلاثة أشهر من حيث العمل لاستعادة دورها الحضارى التليد، إذ باشرت مؤسساتها السيادية- بعد طول لأْي- مهامّها التنظيمية العلمية، سواء بتدارك ما أصبحت عليه من تآكل قدراتها العسكرية على مدى أربعة عقود مضت، كما استأنفت المؤسسة الدبلوماسية العمل وفقًا لما كانت عليه سياستها الخارجية، سواء بتفعيل العلاقات مع روسيا عبر منظومة 2+2 بين وزارتى الخارجية والدفاع فى البلدين، وإلى مواكبة الصعود الصينى منذ ابتدأته مصر فى منتصف الخمسينيات كأول دولة عربية أفريقية تعترف دبلوماسيًّا بالصين الشعبية، وإلى إعادة التوازن الندّى للعلاقات المصرية مع القوى الغربية، فيما باشرت “كنانة العرب” دور القاطرة للعمل العربى المشترك، وأيضًا إزاء تعزيز القواسم المشتركة مع الجارات الإقليميات غير العربيات.. ما يسهم فى دعم موقف مصر للدولة الفلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، فضلًا عن دورها كحجر الزاوية فى العمل الأفريقى، ناهيك عن مشاركتها مؤخرًا فى قمة مجموعة دول “بريكس”، وما إلى غير ذلك من تحركات خارجية تنعكس إيجابًا على تدفق الاستثمارات وإلى رفع مستوى المعيشة ولتبادل الخبرات العالمية التكنولوجية وفى تسوية الأزمات الإقليمية المزمنة والمتاخمة، ما سوف يؤدى بمصر للخروج من النفق.

* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات