مصر فى مهب حرب باردة بين المحيط الهادى ومداخل المحيط الهندى

مصر فى مهب حرب باردة بين المحيط الهادى ومداخل المحيط الهندى
شريف عطية

شريف عطية

6:51 ص, الخميس, 23 سبتمبر 21

تقود الولايات المتحدة منذ سبتمبر 2021 اتفاقًا أمنيًّا ثلاثيًّا «مستحدثًا» لتعزيز التعاون فى منطقة المحيطين الهادى والهندى، لمواجهة ما تصفه وشنطن بالتهديدات الصينية، فيما تراه بكين بمثابة إعلان حرب عليها، إذ يضم التكتل الجديد بجانب أميركا كلًّا من المملكة المتحدة وأستراليا ضمن الرابطة الأنجلوساكسونية التى تشكل تحالفًا موازيًا لمنظومة «العيون الخمسة» وهم كندا ونيوزيلاندا تحت التاج البريطانى، وبهدف حصر النفوذ الصينى لما وراء محيطها الحيوى دون المحيط الهادى Asian pivot .. ومن ثم إلى محاولة تفكيكها من الداخل بـ«قلق الأيديولوجيا»، على غرار ما جرى للاتحاد السوفيتى مطلع تسعينات القرن الماضى، كما لإخلاء النفوذ الصينى أيضًا عن مداخل المحيط الهندى عبر دول شرقى السويس غرب الشرق الأوسط، إذ تبدو الولايات المتحدة وكأنها بصدد تسليم الأمن الإقليمى بها إلى إسرائيل وتركيا، وربما إيران فى مرحلة لاحقة، بحيث قد يماثل التحالف الثلاثى الجديد (الأنجلوساكسوني) ما سبق أن باشرته الولايات المتحدة من قيادتها فى مطلع السبعينات قطبية ثلاثية أطلق عليها رسميًّا «اللجنة الثلاثية» المكونة آنئذ من دول شمال أميركا- غرب أوروبا واليابان، كان من أهم توصياتها «محاصرة الاتحاد السوفيتى والشيوعية الدولية خلال الثمانينات كحد أدنى، أو القضاء عليهما نهائيًّا كحد أقصى»، وقد كان لها ما أوصت به من خلال إحداث شرخ عميق فى العلاقات بين الصين والاتحاد السوفيتى 1972، إلى المكاسب الأميركية التى تحصلتها بتغييب الدور السوفيتى 1974 عن الأساليب الإجرائية لصراع الشرق الأوسط، ناهيك عن تصدير «قلق الأيديولوجيا» بدءًا من “الثمانينات إلى داخل المعسكر الشيوعى، إلى آخره، وبحيث من غير المستبعد أن يتخذ الاتفاق “الأنجلوساكسونى” الجديد ضد الصين ما سبق اتباع بعض من منهج وأسلوب “اللجنة الثلاثية” لتفكيك الاتحاد السوفيتى السابق، ما يجوز معه القول إن ما سوف يجرى حاليًّا لكل من المحور الآسيوى، وفى غرب الشرق الأوسط “شرقى السويس”.. قد تكون لحظة تاريخية استثنائية لإعادة تنظيم العالم، لن تكون مصر بشكل أو بآخر بعيدة عن مساراتها من حيث أهمية منطقة شرقى السويس- تاريخيًّا- للأمن القومى المصرى منذ الحقب الفرعونية والرومانية والأيوبية.. إلى عصر كل من “محمد علي” و”عبد الناصر”.. ومن غير استثناء إرسال مصر (مجاهديها) فى الثمانينات إلى أفغانستان، ناهيك عن تأكيداتها الحالية بشأن ارتباط أمنها القومى بأمن منطقة الخليج، التى يدور الصراع الدولى حولها بصفة خاصة، ليس لكونها فقط على مداخل المحيط الهندى الإستراتيجية، بل أيضًا لكونها الامتداد الكونى الجغرافى للدول التى تعلو “القوس العظيم” من المحيط الهادى شرقًا إلى غرب الشرق الأوسط، أى فيما بين أهم مناطق العالم اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا فى القرن 21، وبين دول شرقى السويس الأهم جيوسياسيًّا والأكثر ثراء بتروليًّا، خاصة مع التغيرات الأخيرة فى وسط آسيا، من بعد الانسحاب الأميركى الأخير من أفغانستان، ما يمثل تطورًا دراماتيكيًّا فى إطار وطبيعة التحركات الدولية والإقليمية، كما بالتزامن مع انعقاد الاجتماع الوزارى لدول مجلس التعاون الخليجى الست منتصف سبتمبر الحالى، بحضور وزير خارجية كل من العراق واليمن- لأول مرة -منذ إنشائه 1981، ما يمثل تطورًا غير تقليدى فى نظرة دول الخليج (الوراثية) تخالف سابق رفضها انضمام دولتين من أقدم حضارات جزيرة العرب، وليصبح من غير الطبيعى استبعادهما -كطرفين ليسا غير صديقين لدول مجلس التعاون الخليجى، ما أتاح لإيران- وغيرها- التسلل خلالهما كخنجر مسموم فى خاصرتهم، ما دفعهم بعد ذلك إلى التطبيع مع إسرائيل، استقواء بها ضد إيران، كالمستجير من الرمضاء بالنار، وما بين المطرقة والسندان، إذ إن إسرائيل فى معية السطوة الإمبريالية الأميركية، كما عقدت إيران اتفاقًا إستراتيجيًّا مع الصين لعشرين عامًا مقبلة، إضافة إلى ترسيم عضويتها مؤخرًا فى منظمة “شنغهاى” للتعاون والتنمية بجانب الصين وروسيا والهند.. إلخ، يمثلون نصف سكان العالم وربع ناتجه الاقتصادى، ما يدفع مجمل المنظومة العربية فى المقابل إلى تعميق العلاقات مع موسكو وبكين ودلهى، خاصة مع اتجاه واشنطن إلى استئناف العمل بالبرنامج النووى لإيران، ربما بوصفها دولة “عتبة نووية”، ومن ثم إلى إعادتها المطالبة كما فى 2016.. عرب الخليج بـ”اقتسام النفوذ مع إيران”، الأمر الذى لم تعد الحكومة الإسرائيلية الجديدة فى معرض مخالفة الأميركيين بشأن نهجهم الجديد مع إيران، وبما لم يعد إزاءه من مفر لدول شرقى السويس- بصفة خاصة -سوى إصلاح ذات البين لبعضهم البعض، سواء لطيّ تدخلاتهم فى سوريا واليمن أو فى الالتقاء بالاتجاه العروبى مع العراق لإزالة وجمع التناقضات كما جرى فى مؤتمر “دول الجوار” المنعقد فى بغداد سبتمبر الحالى، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، بما فى ذلك إمكانية الالتقاء مع تصريحات إيرانية صدرت مؤخرًا عن الرئيس الإيرانى الجديد بشأن تخفيف التوتر فى المنطقة، الأمر الذى تجاوب معها الاجتماع الخليجى الأخير 2+6 فى إطار بناء الثقة بينها وبين إيران، وفقًا للأسس التى أقرّها المجلس، وتم إبلاغ الجانب الإيرانى بها، وهو ما يتوازى أيضًا مع لقاء الرئيس المصرى مع عاهل البحرين الذى صرح وزير خارجيته بأن “إيران دولة جارة نؤمن بالحوار معها.. واحترام الآخر فى منطقة نريدها آمنة ومزدهرة للجميع، لإيران وغيرها، إذ تحتاج شعوب المنطقة إلى تعاون أكبر لتحقيق هذه الغاية”، وهو ما أكده من جانب آخر البيان الختامى للاجتماع الخليجى 2+6 حول “أهمية تخفيف التوتر وتحقيق السلام فى هذه المنطقة المهمة من العالم، عبر الحوار والتنسيق المشترك”، وكلها علامات إيجابية تشير إلى أهمية طيّ الخلافات بين ضفتى الخليج، تلافيًا لأن تكون وقودًا لحرب باردة بين القوى الكبرى لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ذلك من دون خصومة مع الولايات المتحدة.. كما فى سعى مصر والسعودية وقطر الحثيث للانضمام إلى منظمة «شنغهاى»، حيث تعطى كل من روسيا والصين واقعًا جديًّا. أما عن المحور الآسيوى فى منطقة آسيا- المحيط الهادى، وما بها من توترات قلقة متوقعة، سواء فى بحر الصين الجنوبى، أو حول جزيرة “تايوان”، وبشأن مستقبلها.. إلخ، فإن من المأمول تلافيًا للتصعيد الأميركى للحرب الباردة (تحذر الأمم المتحدة من مخاطر الانزلاق إليها) من خلال الاتفاق “الأنجلو ساكسوني” فى مواجهة الصين، أن تحرص كل من روسيا والصين، وحلفاؤهما فى التجمعات الإقليمية والدولية، مثل “بريكس” ومنظمة “شنغهاي”.. إلخ لئلا تتورطا فى الوقوع بشرخ جديد لعلاقتيهما على غرار السبعينيات، ومن ثم لأن تنفرد الولايات المتحدة بهما الواحدة تلو الأخرى، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود عوامل غيرة دبلوماسية، إستراتيجية وتقنية، بينهما، تؤدى إلى عدم تطابق مواقفهما، سواء بجانب روسيا فى شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، أو مع الصين بشأن “تايوان”.. إلخ، إلا من محاولة التكتل الأنجلوساكسونى الجديد أن ينفذ من خلالهما- ولغيره من من الأسباب- للفصل بين العاصمتين الشرقيتين الكبيرتين، ما قد يدفع الاتحاد الأوروبى، المستبعد من هذا التحالف الثلاثى ذى “العيون الخلف” لأن يمارس دورًا عالميًّا ليس جديدًا، على حضارته، وبما يتناسب مع قدراته الاقتصادية، وما ينتويه من تشكيل قدرات عسكرية خاصة به، ليس لمصلحته فقط بل ولئلا تنفرد “الأحادية الأميركية” من جديد بشنّ الحروب، وإشاعة “الفوضى الخلاقة” فى ربوع المعمورة فحسب، وإنما أيضًا للحفاظ على مقتضيات السلم والأمن الدولى والإقليمى من مخاطر حرب باردة تهب رياحها على مصر من المحيط الهادى إلى مداخل المحيط الهندى