لا تعلنوا أفول الولايات المتحدة (5)
هناك تيارات أغلبها يساريّ تشكك فى مفهوم الأفول وتراه غير علمى وثمرة فكر محافظ لا يحب بعض التطورات الثقافية والاجتماعية، ويراها تراجعًا وانحلالًا، فى حين أنها تطورات لها جوانب إيجابية- فى رأى اليساريين. أعطى مثالين لتوصيل الفكرة…. الحريات الجنسية وحق المثليين فى عدم إخفاء ميولهم والحياة العلنية وفقًا لها… المحافظون يرون فيها تدميرًا للأسرة وقبولًا لمبدأ الإجهاض وعدم الانتباه إلى ضعف معدلات الإنجاب ويعبرون عن استيائهم من مظاهر العرى والزنا وغيرها… اليساريون أو بعضهم يرون أن هذه الحريات جاءت مع التحرر من سطوة رجال الدين وتحرير المرأة ومع دخولها سوق العمل، وهى ظواهر إيجابية، فالمرأة لم تعد مجبَرة على البقاء مع زوج لا تطيقه مثلًا، ثم يقول محافظ إن هذا الدخول النسائى فى المجال العام يصبغ هذا المجال بقيم تضعفه، ثم يردّ تقدمى يقول إن المجتمع يحتاج إلى قيم نسائية، ولا يستطيع أحد حسم النقاش.
مثال ثان هو تنديد المحافظين بتدنّى مستوى الثقافة والذوق العام، وتأثير الراديو والتليفزيون الضار؛ لأنها تبث إنتاجًا رديئًا، وتُعلّم الكسل، قراءة كتاب تتطلب مجهودًا إيجابيًّا، مشاهدة حلقة تليفزيونية تُحوّل المُشاهد إلى متلقّ سلبي، الإرسال التليفزيونى يفرض منطقه، الأمور إما بيضاء وإما سوداء، أيّ موضوع لا يمكن عرضه فى وقت محدود موضوع لا قيمة له، التبسيط- سواء كان وافيًا أم مُخلًّا- أفضل من التحليل العميق، تراجع الصحافة الورقية يعرِّض التحقيقات الطويلة العميقة للزوال لصالح الأخبار المختصرة.
التقدميون سيقولون إن ظهور التليفزيون تحول إيجابى هائل، جاء فى سلة تحولات هائلة، تم تحديد ساعات العمل فلم يعد العمال عبيدًا، والتليفزيون نافذة على العالم بالنسبة لهم ومصدر تسلية بعد العودة المبكرة (نسبيًّا) للبيت، التليفزيون يُوصل معرفة وثقافة، حتى لو كانت سطحية ومبسطة، إلى كل القرى؛ مهما كانت معزولة، التليفزيون- نشرة الأخبار وغيرها- يسهم فى تنمية وعى مشترك. الإنترنت يعطى فرصًا هائلة لمن يريد أن يتعلم ويتبحر. أتذكّر سعادتى عندما قابلت فى منظمة خيرية شابًّا نشأ فى حى شديد الفقر، وكان يتكلم الإنجليزية بطلاقة مذهلة، وقال لى إنه لم يتعلمها فى المدرسة، بل عن طريق الإنترنت.
رغم وجاهة بعض الاعتراضات؛ تلك التى تذكِّرنا بأننا لا نعرف كيف نوازن بين إيجابيات وسلبيات الظواهر الجديدة، وأن المشاعر والقناعات الشخصية تلعب دورًا كبيرًا فى التقييم، وتلك التى تشير إلى تسرع عموم المحافظين فى تشخيص الأفول للتنديد بما لا يعجبهم من تطورات، فإننى أرى أن الأفول ظاهرة لا يمكن إنكارها، ولها مؤشراتها.
ما يُعقّد الأمور أن توقع الأفول يكون أحيانًا توقعًا يحقق نفسه بنفسه؛ أى أن الكلام عن الأفول قد يبث اليأس والاستسلام والأنانية ويعجّل بحدوثه، ويكون أحيانًا توقعًا يمنع حدوث ما توقعه؛ لأنه نبه الناس إلى خطر أو نقاط ضعف، ونجح فى حثّهم على التصدى له، فى الحالة الأخيرة قد يتعرض القائل بالأفول لنقد لاذع؛ لأن نبوءته لم تتحقق، فى حين أن تحذيره لعب دورًا هامًّا فى تعديل الدفة. وأعرف أحوالًا تنبَّأ فيها خبير بأفول دولة وبنى توقعاته على تحليلات خاطئة، ولكن الأفول بل الانهيار حدث، ولكنه حدث لأسباب غير التى ذكرها الخبير، ونسى الناس تفاهة التحليل، وتذكّروا دقة التنبؤ.
نعود إلى قضيتنا، لا أظنُّ أن الولايات المتحدة فى أفول، أعتقد أن من يقول غير هذا لا يرى إيجابيات هذا المجتمع وقدرته على تصحيح أخطائه، ولكننى على استعداد لأنْ أقبل، ولو مؤقتًا، فكرة أن حالتها اليوم أسوأ من حالتها سنة 2000، وأن قدرتها على التأثير تراجعت. يبقى السؤال… هل الدول التى تُنافسها فى فترة صعود، وهل هذا الصعود سيستمر… أم هى فى فترة تراجع؛ شأنها شأن أمريكا.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية