مذكرات مواطن مهموم (145)

مذكرات مواطن مهموم (145)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:22 ص, الأحد, 26 يونيو 22

المشوار الفكرى عن روسيا

قلت، فى الأسبوع الماضى، إن الدراسات كانت تتضمن حضور سيمنار عبارة عن مناظرة بين صاحب رأى معروض فى مقال أو كتاب، ومن ينتقده، وعرضتُ لندوة، وبدأتُ أتكلم عن ثانية بين العلامة ستانلى هوفمان وأستاذ فرنسى أطلقنا عليه اسم ماستر يودا… أحد أبطال أفلام حرب الكواكب.

ماستر يودا… العلامة بيير هاسنار… التلميذ المفضل للعملاق ريمون أرون… أعتبره من ضمن ثلاثة أو أربعة علَّمونى فعلًا، وكان له، رحمه الله، مكانة رفيعة جدًّا فى قلبى وفى قلب غيرى. وكم سعدتُ أثناء الربيع العربى أنه حرص على حضور كل محاضراتى، ولم أكن أستحق هذا التكريم.

ماستر يودا… شأنه شأن بطل حرب الكواكب، صغير القامة… أقل من متر ونصف، سمين، أصلع، ثيابه متواضعة جدًّا، يتكلم بسرعة مهولة… إلى الآن وبعد أن توفّاه الله لا نعرف متى وكيف يتنفس الأستاذ عندما ينطلق ويتكلم، لمشواره الأكاديمى أوجهُ شبه مع مشوار أستاذه أرون، هو أيضًا درس الفلسفة وتبحّر فيها، وما زلت أعتمد فى تدريسى على عرضه لفكر كل من كانط وهيجل، ثم ترك الفلسفة وتخصص فى العلاقات الدولية، ويقول محبُّو النميمة إن دوره فى كتاب أرون الرئيس “السلام والحرب بين الأمم” أهم من دور صاحب الكتاب.

لماستر يودا بعض الكتب، والحق يقال… هى أقل من مواهبه ومن رُقيّ حديثه الشفوى، وهى قطعًا أقل أهمية من كتب أرون، واختلف الزملاء فى تفسير هذا، هو من ناحية نجح فيما فشِل فيه أرون… أصبح من كبار مستشارى القادة والدولة والحزب الاشتراكى فى السياسة الخارجية. ولكن تقديم المشورة للقادة يأخذ وقتًا طويلًا، وهناك من تقدَّم بتفسيرات من نوع أن الرجل كان حزينًا مكتئبًا مائلًا إلى الكسل. هو كان يهوديًّا رومانيًّا، وأتذكر ردَّه عندما سألتُ عن أخبار أقاربه فى رومانيا… كانت أيامها شيوعية… قال لى… الدنيا شتاء يا توفيق، والبرد قارس خارج البيوت، وقارس داخل البيوت، وقارس فى القلوب. ولن أخفى على القارئ أنه كان شديد التعاطف والاهتمام بإسرائيل، وإن كان مقتنعًا بضرورة حل الدولتين. وأكبرتُ فيه عدم تعصبه وقدرته على الاستماع إلى ما لا يعجبه.

السيمنار كان أول لقاء لى معه. كنت سمعت عنه من محبِّيه ومن كارهيه. قد أعود إلى هذا فى مقال لاحق، أفضِّل اليوم أن أقول إن الدكتور ستانلى هوفمان كان شديد النقد لسياسات الرئيس ريجان القائمة على إطلاق سباق التسلح، وكان منطقه كالتالى، حاليًّا (كنا فى 1983) الاتحاد السوفييتى أقوى من الولايات المتحدة؛ على الأقل فى أوروبا، ولكنه لن يستطيع مجاراة الأمريكيين فى هذا السباق الذى أطلقه ريجان، وكل المؤشرات تدل على أن الاقتصاد السوفييتى سينهار إن حاول السوفييت هذا، وبعبارة أخرى، ريجان يخير السوفييت بين الانهيار الاقتصادى أو قبول التخلف التكنولوجى، غير منتبه إلى وجود خيار ثالث؛ هجوم سوفييتى فورى وكاسح. السوفييت ليسوا مضطرّين إلى انتظار بئس المصير، بل يستطيعون استغلال تفوقهم الحالى.

هاسنار كان مختفيًا وراء حقيبته السامسونايت المفتوحة، وكان يبحث عن وثيقةٍ ما، وكنا لا نراه بل نشاهد الأوراق تتطاير من الحقيبة، ورغم ذلك كان يتحدث بسرعة مهولة ويفنّد كلام هوفمان.. جملة أضحكت الطلبة إذ قال: يا ستانلى، كلامك غير دقيق، فى هذا السياق لا تهمُّنا مدركات الأمريكيين عن مدركات السوفييت، بل مدركات السوفييت عن مدركات الأمريكيين عن مدركات السوفييت. وإنْ نحّينا الجانب الكوميدى لأستاذى العزيز المحبوب، كان كلامه مبهرًا مفاده أن التخلف التكنولوجى السوفييتى آتٍ لا محالة، سواء أطلق ريجان سباق تسلُّح أم لا، وأنه كان يشك جدًّا فى إدراك القادة السوفييت لحجم المأساة، ثم تكلم كثيرًا عن آليات الردع النووى ليبين ضعف احتمال قيام حرب.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية