ما بين حالة الحرب.. والتفاوض من أجل السلام

ما بين حالة الحرب.. والتفاوض من أجل السلام
شريف عطية

شريف عطية

11:01 ص, الخميس, 2 يونيو 22

حين وضعت الحرب الباردة أوزارها 1947 -1989، تطلعت شعوب العالم إلى انتهاء عهد من الحروب ابتُليت بها البشرية على مرّ العصور، ليست آخرها ما كان بين القوى العظمى النووية، وعلى أمل أن تعود ملامح الرشد للدبلوماسية الأميركية بعدما انفردت فى التسعينيات من القرن الماضى بصدارة النظام العالمى، لربما تسترجع سابق وجهها اللاإمبريالى الذى عبر عنه الرئيس “ويلسون” عشية العشرينيات، واستبشرت به آنئذ الأمم المغلوبة على أمرها تحت الاستعمار، لولا أن أدى الخوف الأميركي الجامح من “الشيوعية” إلى ممارسة ذات منهجها فى مناصرة الديكتاتوريات، ذلك قبل أن تهبّ رياح الحرية فى التسعينيات على معظم شعوب العالم، ربما باستثناء الشرق الأوسط، وبالتزامن مع ما أعلنه الرئيس “بوش الأب” حينئذ عن انصرام “قرن الدولة” لصالح “قرن الفرد” القادم، لكن سرعان ما رفعت الأحادية الأميركية الجديدة عصا التطويع للديكتاتورية العراقية التى غزت دولة الكويت 1990، وبموافقة شبه جماعية لما يسمى بالتحالف الدولى، ما شجع الولايات المتحدة على استئناف نزعتها الإمبريالية.. فى غزو كل من أفغانستان والعراق مطلع القرن الحالى فى عهد “المحافظين الجدد”، الأمر الذى تكرست توابعه فى عهد “أوباما”، ولا تزال مستمرة حتى الآن، سواء فى تحريكها ما يسمى بالثورات الملونة أو فى الامتداد شرقًا بحلف “الناتو” لمحاصرة المحيط الحيوي لروسيا.. إلخ، الأمر الذى اعترضت عليه موسكو مشددًا خلال مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبى 2006.. إيذانًا باستئناف الحرب الباردة مجددًا.. وبالتوازى مع كل من الصحوة الروسية أو الصعود الصينى بسيان، ذلك فيما تتصارع معهما الولايات المتحدة للإبقاء على تفرد واحديتها القطبية التي فشلت فى إدارتها النظام الدولى لثلاثة عقود متتالية، حتى لو أدى الصراع الناشئ مجددًا فيما بينهم إلى نشوب حرب عالمية ثالثة.. تهيأت أسبابها مع اندلاع الحرب بشأن الحالة الأوكرانية 2014- فبراير 2022.. ما بين دفاع روسيا عن حدودها وبين استنزاف الغرب لها بغية إنهاك صمودها للمشاركة مع الصين فى نظام دولى تعددى، مما أصبح يهدد بتجريبات صاروخية ونووية تكتيكية، أو ما إليهما، فيما تنحو واشنطن من جانب آخر إلى تشجيع كل من فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف “ناتو” فى سياق جهود أميركية لإعادة هيكلة نظام الأمن الأوروبى، ذلك فى الوقت الذى تعيد فيه تموضع أساطيلها فى الممرات المائية بغية تعزيز شراكاتها الإقليمية، سواء فى الشرق الأوسط أو فى دول المحيط الهادى لمواجهة التوسع الصينى (الحلف الأنجلوساكسونى) “أوكوس”.. لينضم إليه بعدئذ تحالف “كواد” مع اليابان والهند، ناهيك عن التشجيع الأميركى لأوكرانيا للتصعيد إزاء روسيا.. بالتوازى مع دفعها “تايوان” نحو إجراءات تصعيدية للتحول من الحكم الذاتى فى إطار “صين واحدة” إلى الاستقلال التام عن بكين، ما يخلق بؤرتين ملتهبتين مزمنتين فى أوكرانيا وتايوان.. بغية الحيلولة دون مواجهة روسيا والصين للأحادية الأميركية، ما يهدد بصدامات عسكرية غير محدودة بين القوى الكبرى.. سوف تهدر على البشرية الفرصة الذهبية التى لاحت لها قبل ثلاثة عقود.. لأن يسودها السلام “حلم الحكماء”.

إلى هذا السياق المأزوم عالميًّا، يدلى “هنرى كيسنجر” بتصريحات متفجرة يقترح من خلالها تنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها إلى روسيا.. بغية إنهاء النزاع، والبدء فى السلام، ما يعيد للأذهان ما سبق أن حذر منه الغرب فى مطلع التسعينيات لعدم “إهانة روسيا”.. ما سوف يعنى آنئذ تهديد استمرار النظام الدولى، وإذ يضيف اليوم على سابق تصريحاته قبل ثلاثة عقود.. بأن “روسيا التى كانت جزءًا أساسيًّا من أوروبا منذ 400 عام.. أسهمت خلالها فى توازن القوى الأوروبية، ما يصعب إزاءه اليوم إنهاء النزاع فى أوكرانيا لو أنه امتد لأشهر أخرى”، إذ لربما يرى “كسينجر” صاحب التجربة الدبلوماسية والثقافية الثرية فى منهجه السابق لفض الاشتباكات Disengagement بين حروب لا يمكن الفوز بها.. أنها بمثابة الطريق الأمثل إلى التسوية السياسية، وذلك على غرار ما سبق له مباشرته فى الحالة الفيتنامية، وفى الصفقة الشهيرة مع الصين مطلع السبعينيات، إلى الانفراج غير المحدود مع الاتحاد السوفيتى السابق، وفى الصراع العربي- الإسرائيلى (اتفاقيات فض الاشتباك فى 1974 ، 1975)، إلا أن تصريحات “كسينجر” الأخيرة لم تلق إجماعًا حتى الآن بشأن الحالة الأوكرانية أو لآرائه بالنسبة لضم الصين (وروسيا) للنظام الدولى، لكنها قد تصنع ساحة للحوار عوضًا عن صوت السلاح بين موسكو وكييف وواشنطن، إذ يصرح الرئيس الأميركى “بايدن” 30 مايو الماضى بأن “الولايات المتحدة لن ترسل إلى أوكرانيا أنظمة صواريخ يمكن أن تصل إلى عمق روسيا”، ما يعنى العمل ربما على عدم توسيع أو تعميق جبهة الإشتباك الحالية، بل وقد يضيف من العناصر ما يؤدي إلى نجاح الانتقال من حالة الحرب إلى التفاوض من أجل السلام.