لمحة من تكساس

لمحة من تكساس
طارق عثمان

طارق عثمان

4:21 ص, الأحد, 5 ديسمبر 21

بطل القصة راعى بقر- ليس بالمهنة ولكن بالثقافة. وُلد فى نيو ميكسيكو، ولكن كل حياته تقريبًا كانت فى تكساس؛ ولاية البترول والسلاح والصحراء الأمريكية. الولاية التى ترددت كثيرًا فى الدخول فى الاتحاد الفيدرالى الذى هو الولايات المتحدة الأميركية. والتردد كان بسبب قوة الهوية التى لا تريد أن تذوب فى كلٍّ كبير بلا هوية محددة. تكساس، الولاية الحدودية مع المكسيك، وحيث التراث والثقافة مزيج من مقومات الجنوب الأمريكى (بحدته وقسوته- أرض العبودية- وبرومانسيته- تذكر فيلم ذهب من الريح)، وأيضًا من مقومات المكسيك (بفنه وأغانيه ورقصه وأكله وحرارة المشاعر، من الحب إلى القتل).

بطل القصة صنع ثروته فى تكساس. ثروة ليست كبيرة، ولكنها أخذته إلى قمة ذلك المجتمع فى الجنوب الأمريكى. وهناك بعد عقود من العزوبية عشق تلك السيدة الجميلة سليلة عائلة تمتد أصولها إلى مهاجرين من القرن السابع عشر، ولكل جد طيلة قرنين من الزمان صورة زيتية فى بهو أو غرفة من ذلك القصر القابع فى واحدة من أكبر مزارع الجنوب الأمريكى. قصر استقبل فى عصورٍ مضت عددًا من سادة البيت الأبيض وهم فى زيارات لتكساس.

بطل القصة عرف مع الهوى معنى آخر للقوة.. تلك التى تتواجد فى اسم عائلة، فى أروقة قصر، فى حضور كبار تورثوا أرضًا وفى زمن سابق عبيد، وقدروا أنفسهم فوق الأرض ومن عليها.

بطل القصة أحب مع الفتاة ما مثّلته وما رأت هى أنها ورثته. أحب تلك القوة. والأهم تصور نفسه جديرًا بها، وتصور تلك القوة حقًّا له.

بطل القصة وجد فى عشق الفتاة له، فى كونه معها، فى الخلوات بينهما، انغماسًا فى الحب، وارتفاعًا عن الحياة التى عرفها قبل أن يعرف الفتاة وعائلتها. نابوكوڤ لمس عصبًا عندما تحدّث عن ارتقاء أو انحدار وجدان الرجل وهو مع المرأة التى يحب.

بطل القصة ارتفع مع الفتاة. أخذته القوة والهيلمان، أخذه القصر والاسم، إلى سماوات لم يعرفها من قبل من جوهر الثقة بالنفس. والأهم عشق الفتاة، اختيارها له، وما وهبته إياه من عطايا العشق، أو ما أخذه هو بحقوق من يعرف الخوض فى بحار الهوى، جعله يرى فى نفسه ما يقترب من الكمال.

بطل القصة انحدر فى هوة غرور اقترب من حواف الجنون، بعد ما جاء من قوة، من سيادة، من ثراء، ومن حب أخذ الرجل الخمسينى إلى ضفاف الشباب.

بطل القصة كان شديد الإيمان. وذلك هو الجنوب الأمريكى، حيث المسيحية مزيج من صرامة حرفية ومن موروثات أمريكا السوداء التى انكوت بنار الرق فبنت لاهوتًا فيه من الحدّة بقدر ما فيه من الروحية. بطل القصة رأى فى نفسه تجسيدًا لتملك نعم الرب. لكنه، وهذا رأى واحد ممن عرفوه عن قرب، لم يدرك الفرق بين التعبير عن ما أُعطيَ (وفى هذا تواضع العابد) وبين الإيمان بجدارته لما أُعطىَ (وفى هذا تخطى الحد مع المعبود).

إنها تكساس، حيث الفلسفة اللاهوتية- فى علوها أو أبسط صورها- فى كل حوار، بما فى ذلك أثناء محاكمة بطل القصة. قتل هؤلاء المارقين المهاجرين وهم على أهبة تعدّ حيوانى على ابنته، ليست جريمة.. ارتفاع رأسه، النظرة الصارمة فى عينيه، وقفته، حتى حركة اليد وهو يشوح وكأنه يزيح من أمامه كلمات قالتها أم أحد المقتولين، تدل بكل وضوح على قناعته التامة بأنه يستحق التقدير لا المحاكمة. وهناك كثيرون ممن شاركوه ذلك الرأى. لكن سقوط ثلاثة فتيان عزل برصاصات مدفع آلى صورة هزت الولاية. هل كانوا على وشك ارتكاب جريمة فظيعة فى حق ابنته؟ أم أن الأمر كان معاكسة فظة اختلف فهمها باختلاف ثقافة الأرستقراطية فى تكساس عنها فى مجموعات مهاجرة من المكسيك؟ نظرات الحضور منقسمة بين من يريد بطل القصة منتصرًا، من يريده فى صورة راعى البقر وهو يغمد مسدسه والدخان خارج من فوهته بعد أن قتل هؤلاء الذين هددوا عالمه.. وبين من يريده مهزومًا، من يريده عبرة لهولاء الذين يأخذهم الغرور إلى تصور أنفسهم أشباه آلهة.

بطل القصة ينظر لابنته وعلى شفتيه بداية ابتسامة. لكن النظرة الأطول لزوجته، للأم، لتلك الفتاة- الآن السيدة- التى فتحت له بحبها الدنيا التى رأى نفسه سيدًا جديرًا بالسيادة على ما فيها. وهى تنظر إليه. ليست هناك تعبيرات. فقط تلاقى عيون. الآن، فى عقله انتهت المحاكمة.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن