لماذا الاتفاق الأمريكى- الألمانى حول نورد ستريم مهم؟

لماذا الاتفاق الأمريكى- الألمانى حول نورد ستريم مهم؟
طارق عثمان

طارق عثمان

6:36 ص, الأحد, 1 أغسطس 21

أهم نتيجة للقاء الأخير بين رئيس الولايات المتحدة جو بايدن ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، كان إسقاط أمريكا معارضتها مشروعNord Stream 2 ، وهو خط الوصل تحت الماء الذى سينقل الغاز الروسى إلى ألمانيا.

الولايات المتحدة كانت معارضة وبشدة لذلك المشروع؛ لأنه، أولًا، يزيد من اعتماد أوروبا على مصادر طاقة روسية، وفى ذلك تقوية لروسيا فى أى حوار أو مفاوضات لها مع الغرب. وثانيًا لأن عددًا من حلفاء الولايات المتحدة من الدول التى كانت أثناء الحرب الباردة جزءًا من الاتحاد السوفيتي، مثل أوكرانيا، ترى فى هذا الخط خطرًا عليها. من ناحية الخط الممدود تحت الماء يتخطاها، وعليه أوكرانيا لا تستطيع منع تدفق هذا الغاز إذا أرادت– فى لحظة تراها هى خطرًا عليها من روسيا. كما أن الغاز ذاهب إلى أوروبا مباشرة، ومن ثم ليست لها حصة فيه. وأخيرًا هذا الخط لا تأخذ أوكرانيا عليه مليارات من الدولارات كحق مرور.

هنا مهم التذكير أن دولًا مثل أوكرانيا وغيرها من تلك التى خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي، كانت وما زالت شديدة القرب من الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بنواحى الدفاع والتموضع الإستراتيجي. ولعل ذلك مفهوم بحكم القلق التاريخى لتلك الدول من القوة الروسية والنزعة فى موسكو لرؤية ذلك المحيط الواسع حولها كمجال نفوذ لها. وأيضًا لأن الولايات المتحدة كانت فى نظر تلك الدول فى شرق أوروبا وعلى حدود أوروبا مع روسيا، القِبلة السياسية التى تعلقت بها عيونهم. بل إن عقودًا تحت الحكم الشيوعى جعلت من أمريكا فى عيونهم، قِبلة ثقافية.

لكن الموافقة الأمريكية علىNord Stream 2 جاءت لتؤكد عددًا من النقاط. أولًا أن أمريكا ترى ألمانيا على أنها اللاعب الرئيس فى الاتحاد الأوروبي، وعليه فإن مطالب ألمانيا الإستراتيجية تأخذ الأولوية فى النظرة الأمريكية لأوروبا ككل. ثانيًا أن الرؤية الأمريكية ترى ألمانيا؛ ليس فقط فى دور المتقدم فى القارة، ولكن القائد كذلك، على الأقل عندما يتعلق الأمر بملفات تراها ألمانيا مهمة لها. ذلك لأنNord Stream 2 يجعل من ألمانيا الموزع الأول للغاز الروسى القادم لأوروبا، وفى هذا توطيد لنفوذ ألمانى موجود وواضح، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وثالثًا وهذا لُبّ الموضوع، الموافقة الأمريكية لها مقابل، أو على الأقل أمامها مطلب؛ وهو تفهُّم ألمانى للتطور الجارى فى علاقة الولايات المتحدة بالصين. هنا الولايات المتحدة تقول لألمانيا إن أمريكا توافق على مما تريده ألمانيا فى أوروبا، ولكن على ألمانيا إعادة تموضعها بخصوص الصين، الآن وقد دخلت الولايات المتحدة بوضوح فى مرحلة صراع إسترتيچى معها. إعادة التموضع اقتصادية بالدرجة الأولى ولكن لها أبعادًا تكنولوجية أيضًا؛ لأن هناك أفق تعاون واضحًا وقد بدأ فى مجالات علمية مهمة بين ألمانيا والصين.

هناك حاصل إستراتيجى كبير من كل ذلك؛ وهو أن أمريكا تعيد ترتيب أوراقها؛ ليس فقط فى الشرق الأوسط، ولكن أيضًا فى أوروبا، قبل نقل تركيزها بشكل رئيسى إلى ساحل المحيط الهادى حيث المسرح الأكبر لصراعها مع الصين. لكن من رؤية أوروبية، هذا يُثير تساؤلًا وهو: فى حال نشوب توتر بين روسيا وأى لاعب أوروبى (فى الشرق أو على الحدود) هل ستكون الولايات المتحدة موجودة فى أوروبا، أم ستكون مشغولة على بُعد آلاف الأميال فى آسيا. هذا سؤال مهم؛ لأن أوروبا قد تعودت منذ عقود على الوجود الإستراتيجى الأمريكى ورأته كصمام الأمان.

هذا السؤال مؤدٍّ إلى آخر؛ وهو: ما مستقبل روسيا فى أوروبا. روسيا خرجت من أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي. صحيح أن روسيا تحت حكم الرئيس پوتين قد مدّت أصابع نحو المنطقة الواقعة بينها وبين أوروبا، لكن ذلك المد ما زال شديد البعد عن قوة ونفوذ روسيا فى أوروبا أثناء الحرب الباردة. فهل البعد التدريجى لأمريكا سيفتح بابًا تلِج منه روسيا إلى منطقة (أقصى شرق أوروبا) ما دام اعتبرتها موسكو محيطها الإمبراطوري.

كالعادة منظومات الطاقة ذات أبعاد چيو- سياسية هامة. لكن فى حالةNord Stream 2 التساؤلات شديدة الأهمية؛ لأنها داخلة فى عمق مجموعة من أهم الملفات الإستراتيجية فى العالم، اليوم.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن