س: ما الذى يجمع بين عدد من رجال الأعمال وبين كل من قيادات شركات الأعمال العام واتحاد نقابات عمال مصر؟، ج: المبايعة!.
هذه ليست فزورة، كما أنها للأسف ليست نكتة، ولكن حقيقة أكدتها وقائع الانتخابات الرئاسية، التي جرت يوم الأربعاء الماضى، وأسفرت عن فوز الرئيس مبارك، كما كان متوقعا ومؤكدا قبلها، وذلك مع كامل احترامي لـ«شو» الحملات الانتخابية عبر وسائل الإعلام المختلفة، الذي سعى به البعض لإقناعنا، بأن هناك معركة انتخابية، ومرشحين متنافسين، وأنصارا، وشعارات، ومندوبين، وشفافية، وحيادا، ونزاهة، ورموزا انتخابية، ونخلة، وشعلة، وبطة ووزة.
كذلك مع كل تقديري، لذروة الدراما في عدد من المشاهد، أخرجها بحنكة أعضاء الحملة الانتخابية، لمرشح الحزب الوطني، من خلال تقديمهم لعدد من الشكاوى، تتهم تارة بعض وسائل الإعلام، بعدم مساواة مرشحهم بباقي المرشحين!، وتارة أخرى بعض القضاة بالمبالغة في الإجراءات، بما يعطل عملية التصويت لصالح مرشحهم!.
وبعيدا عن كل ذلك المهرجان، أعود لطرح السؤال الذي بدأت به، ولكن بصيغة أخرى: لماذا يلجأ بعض رجال الأعمال لسلوك تجاوزه الزمن ويعف عنه الكثيرون ممن يحترمون أنفسهم؟.
بداية فإن الحزب السياسي، هو كيان لتجميع مصالح معينة لقوى اجتماعية محددة، لذلك من البديهي، أن نرى في أي مكان من العالم جماعات بعينها، تدعم وتساند الحملات الانتخابية، لمرشحي الأحزاب التي تعبر عن مصالحها، وكثيرا ما نقرأ أو نسمع مثلا عن رجال مال أو أعمال أو إحدى الشركات، يقدمون تبرعات مالية لحملة مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية، تماما كما نرى في بعض الأحيان، نقابة عمالية أو اتحادا لعدد من النقابات، يدعو أعضاء للتصويت، لصالح مرشح الحزب الاشتراكي في انتخابات الرئاسة الفرنسية.
إلا أن عملية الدعم والمساندة هذه، سواء كانت من خلال تبرعات مالية أو مساهمة تطوعية، لإنجاح أحد المرشحين، دائما ما تصب في اتجاه مساعدة المرشح، على جذب وإقناع أكبر عدد من الناخبين، بالتصويت لصالحه عن طريق الإقناع العقلي، لا عن طريق الزمر والتطبيل الذي لا يقنع أحداً.
كما -وهذا هو الأهم- فإن دعم فئة أو شخص ما لمرشح معين، يعني في الأساس تصوراً لديها أو لديه، بأنه يخدم مصالحها بصورة عامة من خلال اتباع سياسات محددة، وهو أمر مشروع، أما غير المشروع، فهو أن يتصور أحد أن ذلك الدعم، سيرد إليه في شكل محاباة أو تفضيل له على آخرين، في تحقيق مصالح خاصة، كالفوز بعطاء أو مناقصة، أو تعيينه في منصب يوجد دونه من هو أهل له، لأن هنا على وجه التحديد، سينتهي دور السياسة، ليطل سيف القانون.
أما في مصر، فإن ما يلفت النظر، هو إصرار البعض على التعبير عن مساندتهم عن طريق إعلانات المبايعة، رغم إعلان الرئيس نفسه عن نهاية عهد الاستفتاء.
أنا أفهم أن تتحرك بعض منظمات ورجال الأعمال، لدعم مرشح الحزب الوطني، لما قد يرونه في الفترة الأخيرة من سياسات اقتصادية إصلاحية، تساعد على إنعاش الاقتصاد ومناخ الأعمال، سواء من خلال الدعم المادي للحزب أو للحملة، أو حتى من خلال المساعدة في إنجاح هذه السياسات- كما فعل البعض-، عبر إقامة كيانات استثمارية أو مشروعات ضخمة، يجذبون من خلالها استثمارات خارجية إلى داخل البلاد.
لكن ما لا أفهمه -أو بمعنى أدق ما لا أفضل أن أفهمه-، هو عقلية هذا الشخص التي تجد سعادة أو لذة أو حتى منطقاً فى نشر إعلان، يحمل صورته إلى جانب الرئيس، يؤكد فيه فروض الولاء والمبايعة.
أستطيع أن أتفهم، أن تأصل النفاق تاريخيا في الجهاز البيروقراطي للدولة قد يصلح مبررا، لرئيس الشركة المنتجة لمسحوق «رابسو» على سبيل المثال، كي يبدد أموال شركته المتراجعة على إعلانات المبايعة، ولكن ما هو مبرر رجل الأعمال؟.
اللهم سوى أن البعض منهم، يتصور -ربما عن حق في كثير من الأحيان- أن نفاقه وتملقه، قد يفتحان له الأبواب الموصدة دونا عن غيره.
إن تحدي الإصلاح في المرحلة القادمة -إذا كان هناك نية للإصلاح-، يكمن في تفتيت ثقافة المبايعة هذه، عبر التأكيد عمليا على مبدأ «المبايعة لا تفيد»، وإنما العمل الجاد والابتكار وطهارة اليد واحترام القانون، وإن ذلك فقط، هو ما يحدد فرص الحراك في هذا المجتمع، وبخلاف ذلك لن يكون هناك إصلاح حقيقي، وإنما إعادة إنتاج لأشكال الفساد القديمة، في صورة أكثر بياضاً.