لماذا‭ ‬‮«‬يبايع‮»‬‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال؟

لماذا‭ ‬‮«‬يبايع‮»‬‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال؟
حازم شريف

حازم شريف

10:56 ص, الأحد, 11 سبتمبر 05

س: ‬ما‭ ‬الذى‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬وبين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قيادات‭ ‬شركات‭ ‬الأعمال‭ ‬العام‭ ‬واتحاد‭ ‬نقابات‭ ‬عمال‭ ‬مصر؟، ج‭: ‬المبايعة!.

‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬فزورة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬للأسف‭ ‬ليست‭ ‬نكتة،‭ ‬ولكن‭ ‬حقيقة‭ ‬أكدتها‭ ‬وقائع‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية،‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬الماضى،‭ ‬وأسفرت‭ ‬عن‭ ‬فوز‭ ‬الرئيس‭ ‬مبارك،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭ ‬ومؤكدا‭ ‬قبلها،‭ ‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬كامل‭ ‬احترامي‭ ‬لـ«شو‮»‬‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المختلفة،‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬به‭ ‬البعض‭ ‬لإقناعنا،‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬معركة‭ ‬انتخابية،‭ ‬ومرشحين‭ ‬متنافسين،‭ ‬وأنصارا،‭ ‬وشعارات،‭ ‬ومندوبين،‭ ‬وشفافية،‭ ‬وحيادا،‭ ‬ونزاهة،‭ ‬ورموزا‭ ‬انتخابية،‭ ‬ونخلة،‭ ‬وشعلة،‭ ‬وبطة‭ ‬ووزة.

‬ كذلك‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬تقديري،‭ ‬لذروة‭ ‬الدراما‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المشاهد،‭ ‬أخرجها‭ ‬بحنكة‭ ‬أعضاء‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬لمرشح‭ ‬الحزب‭ ‬الوطني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديمهم‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الشكاوى،‭ ‬تتهم‭ ‬تارة‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬بعدم‭ ‬مساواة‭ ‬مرشحهم‭ ‬بباقي‭ ‬المرشحين!، وتارة‭ ‬أخرى‭ ‬بعض‭ ‬القضاة‭ ‬بالمبالغة‭ ‬في‭ ‬الإجراءات،‭ ‬بما‭ ‬يعطل‭ ‬عملية‭ ‬التصويت‭ ‬لصالح‭ ‬مرشحهم!.

‬ وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬المهرجان،‭ ‬أعود‭ ‬لطرح‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬به،‭ ‬ولكن‭ ‬بصيغة‭ ‬أخرى: ‬لماذا‭ ‬يلجأ‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬لسلوك‭ ‬تجاوزه‭ ‬الزمن‭ ‬ويعف‭ ‬عنه‭ ‬الكثيرون‭ ‬ممن‭ ‬يحترمون‭ ‬أنفسهم؟.

بداية‭ ‬فإن‭ ‬الحزب‭ ‬السياسي،‭ ‬هو‭ ‬كيان‭ ‬لتجميع‭ ‬مصالح‭ ‬معينة‭ ‬لقوى‭ ‬اجتماعية‭ ‬محددة،‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬البديهي،‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬جماعات‭ ‬بعينها،‭ ‬تدعم‭ ‬وتساند‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬لمرشحي‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مصالحها،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬نقرأ‭ ‬أو‭ ‬نسمع‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬رجال‭ ‬مال‭ ‬أو‭ ‬أعمال‭ ‬أو‭ ‬إحدى‭ ‬الشركات،‭ ‬يقدمون‭ ‬تبرعات‭ ‬مالية‭ ‬لحملة‭ ‬مرشح‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬نقابة‭ ‬عمالية‭ ‬أو‭ ‬اتحادا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬النقابات،‭ ‬يدعو‭ ‬أعضاء‭ ‬للتصويت،‭ ‬لصالح‭ ‬مرشح‭ ‬الحزب‭ ‬الاشتراكي‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الفرنسية.

‬ إلا‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭ ‬هذه،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبرعات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬مساهمة‭ ‬تطوعية،‭ ‬لإنجاح‭ ‬أحد‭ ‬المرشحين،‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مساعدة‭ ‬المرشح،‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬وإقناع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الناخبين،‭ ‬بالتصويت‭ ‬لصالحه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإقناع‭ ‬العقلي،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الزمر‭ ‬والتطبيل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقنع‭ ‬أحداً.

‬ كما -‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأهم- ‬فإن‭ ‬دعم‭ ‬فئة‭ ‬أو‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬لمرشح‭ ‬معين،‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬تصوراً‭ ‬لديها‭ ‬أو‭ ‬لديه،‭ ‬بأنه‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحها‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتباع‭ ‬سياسات‭ ‬محددة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مشروع،‭ ‬أما‭ ‬غير‭ ‬المشروع،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬يتصور‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الدعم،‭ ‬سيرد‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬محاباة‭ ‬أو‭ ‬تفضيل‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬آخرين،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬خاصة،‭ ‬كالفوز‭ ‬بعطاء‭ ‬أو‭ ‬مناقصة،‭ ‬أو‭ ‬تعيينه‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬يوجد‭ ‬دونه‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أهل‭ ‬له،‭ ‬لأن‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬سينتهي‭ ‬دور‭ ‬السياسة،‭ ‬ليطل‭ ‬سيف‭ ‬القانون‭.

أما‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر،‭ ‬هو‭ ‬إصرار‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مساندتهم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إعلانات‭ ‬المبايعة،‭ ‬رغم‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬عهد‭ ‬الاستفتاء.

‬ أنا‭ ‬أفهم‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬بعض‭ ‬منظمات‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬لدعم‭ ‬مرشح‭ ‬الحزب‭ ‬الوطني،‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يرونه‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬إصلاحية،‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬إنعاش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ومناخ‭ ‬الأعمال،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬للحزب‭ ‬أو‭ ‬للحملة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‬-‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬البعض-، ‬عبر‭ ‬إقامة‭ ‬كيانات‭ ‬استثمارية‭ ‬أو‭ ‬مشروعات‭ ‬ضخمة،‭ ‬يجذبون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬استثمارات‭ ‬خارجية‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬البلاد.

‬لكن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أفهمه -‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬أدق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أفضل‭ ‬أن‭ ‬أفهمه-، ‬هو‭ ‬عقلية‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬سعادة‭ ‬أو‭ ‬لذة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬منطقاً‭ ‬فى‭ ‬نشر‭ ‬إعلان،‭ ‬يحمل‭ ‬صورته‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرئيس،‭ ‬يؤكد‭ ‬فيه‭ ‬فروض‭ ‬الولاء‭ ‬والمبايعة.

‬ أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أتفهم،‭ ‬أن‭ ‬تأصل‭ ‬النفاق‭ ‬تاريخيا‭ ‬في‭ ‬الجهاز‭ ‬البيروقراطي‭ ‬للدولة‭ ‬قد‭ ‬يصلح‭ ‬مبررا،‭ ‬لرئيس‭ ‬الشركة‭ ‬المنتجة‭ ‬لمسحوق‭ ‬‮«‬رابسو‮»‬‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كي‭ ‬يبدد‭ ‬أموال‭ ‬شركته‭ ‬المتراجعة‭ ‬على‭ ‬إعلانات‭ ‬المبايعة،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مبرر‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال؟.

‭ ‬اللهم‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬منهم،‭ ‬يتصور -‬ربما‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان- ‬أن‭ ‬نفاقه‭ ‬وتملقه،‭ ‬قد‭ ‬يفتحان‭ ‬له‭ ‬الأبواب‭ ‬الموصدة‭ ‬دونا‭ ‬عن‭ ‬غيره.

إن‭ ‬تحدي‭ ‬الإصلاح‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة -‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نية‭ ‬للإصلاح-، ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تفتيت‭ ‬ثقافة‭ ‬المبايعة‭ ‬هذه،‭ ‬عبر‭ ‬التأكيد‭ ‬عمليا‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬المبايعة‭ ‬لا‭ ‬تفيد‮»‬،‭ ‬وإنما‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬والابتكار‭ ‬وطهارة‭ ‬اليد‭ ‬واحترام‭ ‬القانون،‭ ‬وإن‭ ‬ذلك‭ ‬فقط‭، ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحدد‭ ‬فرص‭ ‬الحراك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬وبخلاف‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬إصلاح‭ ‬حقيقي،‭ ‬وإنما‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬لأشكال‭ ‬الفساد‭ ‬القديمة،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬بياضاً.‬