لقد كان مفاجئًا فى مطلع العام 2021 إعلان تركيا رغبتها تحسين علاقاتها مع مصر (ودول عربية)، من بعد ثمانى سنوات من قطعها دبلوماسيًّا اتصفت خلالها بعداء سافر لما يشبه حالة الحرب بينهما، إذ احتضن «حزب العدالة والتنمية» التركى المعارضة المصرية «الإخوانية»، تنظيميًّا وإعلاميًّا وبالتحريض لها على العنف، فيما اختلفت توجهاتها الإستراتيجية عن نظيرتها فى مصر بالنسبة لملفات إقليمية عديدة، من شرق البحر المتوسط إلى ليبيا إلى إثيوبيا.. إلخ، وإن كانت أحزاب وشخصيات من المعارضين للحزب الحاكم، ورئيسه، لا يوافقونه الرأى فى خلافه مع مصر باعتبارها من أهم دول المنطقة، ذلك منذ العهد (العثماني) الذى امتدت سطوته للهيمنة على مصر ضمن سياسات القرن 16، ناهيك عن بقائها بشكل أو آخر- كولاية اسمية له- إن جاز التعبير- تحت حكم الأسرة العلوية حتى قيام الثورة المصرية فى 1952حيث انطلقت خلافاتهما فى إطار الحرب الباردة حتى بداية السبعينيات، حين انضمت مصر إلى تركيا فى سياق الإستراتيجية الأميركية، التى حظى حزب العدالة والتنمية فى مطلع القرن الجديد- باختيارها له- كنموذج تطبيقى للإسلام «المعتدل» فى المنطقة، المراد تطويعها أميركيًّا من خلال أدبياته فى مواجهة كل من جماعات الإسلام المتطرف، والأوتوقراطيات العربية بسيان، وبدءًا من حراكات ما سمّته «الربيع العربى» فى 2011 لولا أن غيرت مصر موازينها فى 2013 ولثمانى سنوات تالية من الصدام المباشر مع تركيا (وقطر) فى أنحاء الإقليم، إلى أن كانت مبادرة تركيا نحو رغبة ليست غير ملتبسة تمامًا للتقارب مع مصر، والتطبيع معها، من المرجح أنها عن ضوء أخضر من الولايات المتحدة، لأسبابهما، بحيث بدأت المباحثات الأولية بينهما فى القاهرة مايو الماضى لاستطلاع مدى جدية المبادرة التركية، كما لبحث كيفية تسوية القضايا المعلقة بين الجانبين، ذلك قبل أن تنطلق الجولة التفاوضية الثانية فى أنقرة سبتمبر الحالى للبناء على ما تم فى (الجولة الأولى) وما نتج عنها خلال فترة أربعة الشهور ما بين الجولتين سلبًا وإيجابًا، وصولًا ربما إلى خطوات إضافية تسعى لتبادل العلاقات على مستوى السفراء، وإذ تتعجله أنقرة، فمن المفترض لمصر التروى فى الأمر إلى أن يستبين الموقف التركى الذى ما زال سلبيًّا فى عدد من الملفات الإقليمية العالقة، باستثناء تقييدها البثّ فى برامج إعلامية مضادة لمصر، كما إلى جانب استمرار ارتفاع معدل التبادل الاقتصادى والتجارى بينهما، الأمر الذى تعتبره العاصمتان اللدودتان «إيجابيًّا»، إلا ما يزال يشوبه القصور فى معالجة مستوى التوافق بينهما، خاصة فيما يتعلق بالموقف فى ليبيا، والتى تؤكد تركيا مجددًا شرعية البقاء بقواتها فيها، كما وبشأن تحالف «منتدى الغاز» فى شرق البحر المتوسط، وما إلى غير ذلك من تجاذبات تشير ضمنًا إلى امتلاك مصر كثيرًا من أوراق الضغط على تركيا إذا ما ذهبت الأخيرة إلى اتجاه مناوئ للقاهرة، من أهمّها المشاركة المصرية فى تحالفات إقليمية جديدة ظهرت فى قمة «دول الجوار» فى بغداد سبتمبر الحالى، فضلًا عن التعاون الإستراتيجى لمصر مع اليونان وقبرص، ما يمكن القول من خلاله- على سبيل المثال- تبنّى معارضين لحزب العدالة والتنمية فى الداخل التركى، ذلك فى وقت يستمر فيه تآكل شعبية الحزب ورئيسه، لأسبابهم، وفق تأكيدات استطلاعات الرأى العام المتكررة، فضلًا عن تعرض تركيا لمتغيرات على الصعيد الخارجى من أبرزها الانسحاب الأميركى (والتركى) من أفغانستان، وتوازيه أيضًا مع التوجه الأميركى نحو تخفيف الوجود فى العراق، ناهيك عن تعرضها لمخاطر مواجهة الإرهاب، إذ تتوحد فصائل مقاتلة تحت المظلة التركية شمال سوريا، ما يؤدي- وغيره- بالحزب الحاكم فى تركيا إلى تقديم تنازلات على صعيد التطبيع مع مصر، وحلفائها، لاستعواض ما يواجهه من تراجعات على كلٍّ من جبهاته الداخلية والإقليمية والدولية (..) فإذا كان الأمر كذلك على هذا النحو، فلا بأس إذن من التطبيع مع تركيا.. لكن حذار.
شريف عطية
7:43 ص, الأحد, 12 سبتمبر 21
End of current post