هذا المقال منشور فى مجموعة «دراسات فى المذاهب الأدبية والاجتماعية»، وفيه كتب الأستاذ العقاد أن التجديد بإيجاز هو اجتناب التقليد، فكل شاعر يعبر بصدق عن شعوره فهو مجدد حتى وإن تناول أقدم الأشياء.
ولكن تناول التجديد فى الشعر بالتفصيل، واستقصاء أسبابه، يستلزم تناول عناصره.. اللفظ والوزن والموضوع.
والملحوظ أن اللفظ الذى يتألف منه الشعر لا يطرأ عليه تغيير يذكر، فقد يصلح اللفظ فى نظم امرئ القيس وفى نظم البارودى، مع قليل من التحوير أو التحريف.
وتطرأ الزيادة فى هذه المفردات كل بضعة قرون، أو يطرأ عليها إختلاف الاستعمال من فترة إلى أخرى فى حياة اللغة، ولابد للشاعر من متابعة هذه الأطوار.
بيد أن الجهد فى تجديد الألفاظ أو المفردات؛ يظل أقل وأهون من الجهد فى تجديد الأوزان وتجديد الموضوعات.
كانت أوزان الشعر قليلة البحور فى الجاهلية، ثم تعددت البحور ومجزوءاتها، وتضاعف عدد الأبيات فى القصيدة الواحدة. كما طرأ التنويع على القافية فى الرجز ثم التسميط والتوشيح، ومن المعروف أن الخليل بن أحمد واضع علمى العروض والقافية، أحصى خمسة عشر بحرًا زادها الأخفش الأوسط بحرًا، وتقوم هذه البحور على التفعيلة وتصريفاتها التى تختلف من بحر إلى بحر، أما المجزوء فهو أقل فى عدد تفعيلات البحر المجزوء منه، كما تعددت أوجه وأنواع التصرف فى القافية، حتى إذا ما وصلنا إلى العصر الحديث ظهر من دعاة التجديد من يدعو إلى إلغاء القافية ونظم الشعر مرسلاً أو مطلقًا على الطريقة الأوروبية، إلاَّ أن هذه الدعوة فيما يقول الأستاذ العقاد آنذاك لم يكتب لها النجاح، ويظن أنها غير جديرة بالنجاح فى المستقبل، لأن أعاريض الشعر العربى تستلزم القافية التى لا تلزم الأعاريض الأوروبية.
والذى يعتقده الأستاذ العقاد أو يشعر به، أن «تنويع» القوافى لا إلغائها : أوفق للشعر العربى من إرساله بغير قافية، وأن الشعر العربى يقبل التنوع فى أوزان المصاريع (أشطار بيت الشعر) والمقطوعات على أسلوب الموشحات، فيتسع بذلك للمعانى المختلفة والموضوعات المطوله، دون أن ينفصل عن «الموسيقية» التى نشأ بها ودرج عليها.
فإذا كان ما تقدم شأن التجديد فى اللفظ والوزن، فكيف يكون التجديد فى الموضوع؟
نحا رأى من الآراء إلى أن التجديد فى الموضوعات الشعرية يكون بصرف الشعر إلى الاجتماعيات والأحداث العامة، واقترن به رأى ينادى بالطابع الإقليمى فى الشعر خاصة وفى الأدب عامة، وقال آخرون بالشعر المسرحى أو شعر القصة المسرحية وغير المسرحية.
وكل هذه الآراء فيما يرى الأستاذ العقاد مقبولة من ناحية، ومرفوضة من ناحية، ذلك لأن العبرة فى الشعر بالملكة التى توحى معانيه، وليست العبرة بالعنوان المختار لموضوعاته، كعنوان المسرحية أو عنوان القصة الشعرية أو عنوان الشعر الإقليمى، أو عنوان الشئون الاجتماعية والمسائل العامة والعالمية.
ويرى الأستاذ العقاد إن نظرنا إلى الشعر من ناحية الملكة التى توحيه، نجد أن ملكة الشعر الغنائى قد لازمت القصيدة العربية من نشأتها الأولى، فهى تتردد بين نغمات الغزل والفخر والحماسة والرثاء، أو تترد بين ألون الشعور الفردى البسيط، ويندر أن تتخطاه إلى الشعور المركب المتوشج، وهو الشعور المتجاوب بين عدة نفوس على عدة أمزجة وفى عدة حالات.
والفرق بين الشعر الغنائى والشعر المركب المتجاوب، هو الفرق بين الربابة والفرقة الموسيقية التى يُسمع منها عشرات المعازف فى نغمات متعددة مع التناسق بينها والوحدة فى مجموعها.
ويذكر الأستاذ العقاد أنه ينبغى أن يُذكر هنا أن التنوع والتجاوب هما المقصودان بالتصرف والتجديد، وليس المقصود كثرة الآلات التى تُعزف عليها.
ويرى أن الوجهة التى يراها للتجديد، يكون سبيلها الرواية المسرحية أو الحادثة العالمية أو الأوصاف الإقليمية.
ويضيف أن من أمثلة الدعوات الزائفة إلى التجديد أن يسمع البعض بالشعر الإقليمى فى اللغة الإنجليزية وأكثره من شعر الأمريكيين فيخطر له أن الشعر الإقليمى اختراع واختيار، وينسى أنه واقع طبيعى لا محل لفرضه على الشعراء، حيث لا تفرضه عليهم طبيعة الحياة، وفى أمريكا أقاليم لا تتشابه فى الموقع ولا فى المكان ولا فى المعيشة، فهم لا يختارون الإقليمية فى الشعر ولا فى الجغرافية، ونحن هنا لن نستطيع أن نزرع قمحا إقليميًا باختيارنا أو بغير اختيارنا، ومن قال لشاعر « كن إقليميًا»، فقد قال له «كن مقلدا»، ولكنه إذا كان من طبيعته منتميًا إلى إقليمه فلا حاجة به إلى الأمر والإرشاد.
كذلك يقول بعضهم متعجبًا: هل توحى حرب طروادة إلى هوميروس بالإلياذة ولا تظهر فى العصر الحديث إلياذة أضخم منها بعد الحرب العالمية العظمى؟
ولو كان هؤلاء القائلون يفهمون وحى الابتكار فى الشعر لما خطر لهم أن شاعرًا عصريًا ينبغى أن ينظم إلياذة فى الحرب العالمية، لأن شاعرًا قديما نظم إلياذة فى حرب طروادة. فمن أين لهم مثلا أن هوميروس كان ينظم فى الحرب العالمية إلياذة لو أنه عاش فى زماننا؟
ولا يفهم التجديد فيما يقول من يحسب أن الشعر المسرحى حيث كان أرفع من الشعر الغنائى فى كل موضوع، فإن الشاعر المسرحى الذى لا يرسم لك شخصية واحدة صحيحة أقل من الشاعر الغنائى الذى يتحدث لك عن غناء البلبل فيصدقك الحديث والشعور، فكل فضل الشاعر فى الملكة التى توحى إليه شعره دون العناوين التى يطلقها على موضوعاته.
فإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد، فالتجديد هو اجتناب الاختلاق، والمختلق هو كل من يجدد ليخالف، وإن لم يكن هناك موجب للخلاف.
وأخيرًا فإن التجديد كما ينبغى يكون بالخروج بالشعر العربى من لحن الربابة إلى لحن الفرقة الموسيقية، شعورًا بتعدد النغمات، لا مجرد المباهاة بكثرة المعازف وضجيج الإيقاع.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com