حصلت مصر قبل قرن مضى على استقلالها الأول من بريطانيا فى 28 فبراير1922، من بعد أربعة عقود على دخول الجيش البريطانى أراضيها 1882، فيما بين ثورتين.. الحركة العرابية وثورة1919 ، لم تنجوا من ظاهرة الإقصاء وتقليص دائرة القمة وفى الضيق بالرأى الآخر إلا من رجل واحد، ولينزاح الماضى مع التاريخ لاستدعاء وضع قائم من الملكية الدستورية إلى ثورة 1952، حيث توالت المشاهد الثورية للحركة الوطنية بين البرجوازية الأرستقراطية وبين المهمّشين من طبقات مسحوقة تتطلع نحو توازنها النفسى والاجتماعى، ناهيك عن أوتوقراطية القصر بالتوازى مع تشكيلات حزبية متوالية التفتت Fragmentationوفى ظل سطوة الاحتلال الجاثم على صدور المصريين، وقياداتهم المتناحرة (حادث فبراير 1942)، خاصة من بعد ضمان احتلال مصر بشكل قانونى بمقتضى معاهدة 1936، وإلى أن قُيّض لها إبرام اتفاقية الجلاء 1954 بالتوازى مع السعى الأميركى من بعد الحرب العالمية الثانية للحلول محل النفوذ البريطانى، سواء فى المرحلة الأخيرة لعهد الملك “فاروق” أو مع بداية العصر الناصرى، وليس انتهاء بطرحها “مشروع إيزنهاور” لملء الفراغ فى الشرق الأوسط يناير 1957، من بعد أسابيع على انتهاء العدوان الثلاثى (بريطانيا- فرنسا- إسرائيل) على مصر، ذلك باستثناء دورها فى الصراع مع إسرائيل.. من “المعارض” لحالة الحرب مطلع الخمسينيات (مهمة المبعوث الأميركى “أندرسون”) إلى دور “الخصم” فى1967 ، ومن “الوسيط” و”صانع السلام” 1973 إلى دور “المتفرج” من بعد تحييدها القدرات العسكرية المصرية والعربية أمام إسرائيل فى معية الولايات المتحدة التى أمسكت بمعظم الأوراق للصراع داخل الإقليم، ضاربة عرض الحائط بالنزعة القومية لمصر، منذ عشية الخمسينيات والستينيات إذ رأت واشنطن استحالة التوفيق بين النزعة الاستقلالية المصرية ومصالحها الأمنية فى الشرق الأوسط، ما أدى إلى سنوات من التصدى بين مصر والولايات المتحدة، وفى إطار الحرب الباردة للصراع الأميركى السوفيتى على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، فضلًا عن المتغيرات الاجتماعية التى حلت بمصر، بدءًا بتمصير الممتلكات الأجنبية 1957، الأمر الذى لقى تجاوبًا أول الأمر من قوى اليمين.. قبل أن تلحق بها قرارات التأميم مطلع الستينيات، وإلى أن ارتدّت ثالثًا مع الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات، ما بين الشيء ونقيضه خلال العقود السبعة الأخيرة.. من دائرة الإسترلينى إلى السلة الدولارية، إلى الاعتماد على الكتلة السوفيتية، سواء برفضها الانخراط فى حلف بغداد أو لشرائها السلاح من الكتلة الشرقية، كما الاعتراف بالصين الشعبية، ولينتهى عندئذ مجلس الأمن القومى الأميركى إلى أن “الحياد الإيجابى الخاص بمصر يعمل فى واقع الأمر لمصلحة السوفيت، وموجّه ضد المواقف الغربية الراسخة”، ما أدى إلى تعارض مصالحهما.. ومن ثم إلى بداية الانتكاس بينهما 1963، خاصة من بعد اقتراب مصر فى حرب اليمن اقترابًا خطيرًا من أكثر الخطوط الأميركية حمرة بالنسبة للسعودية الغنية بالنفط، ولتقطع واشنطن خط الإمدادات إلى مصر (شحنات الأغذية (pl-480، وما إلى غير ذلك من إجراءات استفزازية) …) وضعت الإدارة المصرية فى حالة من اللاعقلانية دفعتها لمعالجة أوضاعها الداخلية.. بأن تشعل الموقف فى سيناء لمعركة مع إسرائيل يونيو1967 ، التى وإن خسرتها مصر لكن دون أن تفقد نزعتها الوطنية لتحقيق أول نصر جزئى فى أكتوبر 1973 ضد الصهيونية الدولية فى سياق الإمبريالية الغربية، إلا أن الآثار المترسبة عن الحرب فى 1967.. انعكست على القيادة السياسية باليأس من طول الكفاح، وإلى درجة من الخفة الدبلوماسية تدفعها إلى قبول الوساطة “المنفردة” لخصومها التاريخيين باتجاه تسوية ليست نهائية للصراع مع إسرائيل التى أصبحت لها منذ ذلك التاريخ حرية المناورة فى أرجاء المنطقة العربية ولنصف قرن تال، ومن ثم إلى التغيير الشديد فى ميزان القوى الإقليمي، بحيث لا تزال مصر تعانى فى معالجة تبِعاته القائمة على دورها القومى كضرورة لاستعادة نزعتها الوطنية التى ناضلت لتأكيدها منذ استقلالها الأول عن قوى الهيمنة قبل قرن مضى من الزمان
شريف عطية
8:01 ص, الأحد, 6 مارس 22
End of current post