ربما لا تثريب بادئ ذى بدء عن تطبيع دول عربية لعلاقاتها مع إسرائيل فيما يعرف مؤخرًا بـ«الاتفاقات الإبراهيمية»؛ ما دامت خطت نهج مصر بشأن المسألة الفلسطينية، حربًا أو سلمًا، منذ كان مؤتمر لندن 1939، إما بقتال إسرائيل حتى العام 1973، أو بالتوجه بعدئذ نحو السلام، ذلك باستثناء سوريا ولبنان من دول الإطار المباشر مع إسرائيل.. الذى يعتبر بمثابة السياق الأكثر عرضة لمخاطر التوسع الاستيطانى للمشروع الصهيوني، خاصة لمصر المستهدفة- إمبرياليًّا- بالسطو على رصيد دورها الإقليمى والحضاري، بحيث لم يعد لديها من بعد.. وإزاء الالتحام السلمى مع الدولة العبرية ما يؤمّن خطوط الدفاع عن واديها- عبر الحدود الشرقية، سوى التصدى ببسالة لقوى الإرهاب الموجَّه نحو سيناء، ولما تمثله لها من قوة.. استدامةُ المقاومة الفلسطينية فى داخل إسرائيل.. وهى التى لم تخمد جذوتها على طول الزمان، بأقلّه منذ توالت الموجات الأولى للهجرة اليهودية (الييشوف) إلى فلسطين 1882، وبالتزامن مع الاحتلال البريطانى لمصر، الذى سرعان أن وعد اليهود فى1917 بوطن قومى فى فلسطين، استنادًا لما تتداوله أساطير توراتية عما يسمى «أرض الميعاد» (مملكة سليمان) التى كانت على أقصى تقدير مملكة قبلية صغيرة (تحت الولاية الاسمية لمصر القديمة «شيشنق الأول»).. أضفت عليها الديانتان المسيحية والإسلامية غلافًا خارجيًّا صلبًا (لكن غير سوسيولوجي).. قبل أن تتبنّاه صفقة سياسية متبادلة بين الاحتكارات الرأسمالية الاستعمارية والصهيونية.. بغية زرع إسرائيل إستراتيجيًّا 1948 فى وسط الستار الإسلامي- العربى الممتد من طنجة إلى البحرين، ولتتوسع من بعد للسيطرة على كل أراضى فلسطين التاريخية فى العام 1967، ذلك عبر حروب طاحنة امتدت لربع قرن، إلى أن توجهت مصر إلى السلام مع إسرائيل -1974 1979، الأمر الذى أدى ضمنًا إلى تطورات عربية محبطة للقضية الفلسطينية على مدى العقود التالية.. من الحرب الأهلية اللبنانية1975 – الغزو العراقى للكويت1990 – الغزو الأميركى للعراق2003 – الانقسام الفلسطينى بين حركتى «فتح» و«حماس» 2007، ومن بعد إلى تداعيات أحداث الربيع العربى 2011 فى إزاحة القضية الفلسطينية عن دائرة أولويات العمل فى المنظومة العربية، وليس آخِرًا فيما اكتسبته إسرائيل لاحقًا من «صفقة القرن» الأميركية 2017، وتوابعها، إلى اليوم.
إلى ذلك السياق الذى امتدّ بفلسطين المتاخمة لمصر شرقًا، ولما يزيد عن قرن من الزمان يجوز أن يطلق عليه «قرن الصهيونية» لفرط ما أنجزت خلاله من غاياتها العليا (..)، وإذ لولا التصدى المصرى فى الربع الثالث من القرن العشرين.. وقبل أن يستمسك أصحاب الأرض من الفلسطينيين بجذورهم التاريخية المشروعة، لأمكن للمشروع الصهيونى استكمال هدفه النهائى نحو بناء «إسرائيل الكبرى» (من النيل إلى الفرات)، ما يدعوها فى سبيل تحقيقه إلى ممارسة العنف المفرط- ذلك من سمات التجارب الاستعمارية والنظم العنصرية- كإرهاصات ضعف قبل السقوط نحو مرحلة الاحتضار، ذلك وبرغم ما تلقاه إسرائيل بالمطلق من انحياز أميركى أو عن وهن عربي، فإن الحديث يتزايد عن تراجع صمودها (الغاشم)، حيث «تبلغ مجمل خساراتها، بحسب افتتاحية كبرى الصحف العبرية «هاآرتس»، نحو مليار دولار كل ثلاثة أيام جراء حرب استنزاف لا يديرونها، ما يمثل حسب الجريدة نذير شؤم لدولة ذات حسابات خاطئة قصيرة النظر إزاء شراسة الفلسطينى فى الدفاع عن أرضه، بحيث من الأفضل لها التخلى عن حلمها الزائف بإسرائيل الكبرى، وفى التسليم بأن يكون للفلسطينيين دولة جارة، ما يطيل بقاءنا على هذه الأرض سنين أخرى.. كدولة يهودية عليها أن تدفع الفاتورة- ولو بعد ألف سنة- للفلسطينى الذى سيُبعث من جديد» (انتهى الاقتباس)، وهو الأمر الذى قد يطرح التساؤل عما ستكون عليه هوية ذلك الفلسطينى الجديد، إما (عربية) بحكم الانتماء لجذوره.. أم (إسراطينية) بحكم تماذج مقتضيات الجوار، وهو ما يتردد من البعض لكى تصبح- بتعبيرهم- «سويسرا الشرق»، الأمر الذى على مصر أن تأخذه فى الحسبان؛ كون «فلسطين»- على حدودها الشرقية الحساسة- قضية مصرية.. قبل أن تكون لشعوبها.