فكر محمد على باشا- الجزء (2)

فكر محمد على باشا- الجزء (2)
طارق عثمان

طارق عثمان

6:35 ص, الأحد, 3 أبريل 22

هل كانت دولته مصرية؟

واحد من أهم الأسئلة حول عهد محمد على باشا هو هوية الدولة التى أنشأ: هل كانت مصرية؟ أم دولة عائلية تمصرت مع مرور الزمن؟

بعض النقاط تستحق التفكير.

واحد- ربما كان التغيير الاقتصادى الأهم فى المرحلة الأولى من حكم محمد على هو تأميمه لكل الأرض المصرية تقريبًا وحيازة ملكيتها. هذا التغير حدث من خلال خطوات متعددة، وأحيانًا تحت مسميات مختلفة، لكن الحاصل منه كان السيطرة على كامل الأرض، وهى وقتها عصب الاقتصاد وأساس الثروة. نتيجة ذلك التغير كانت ليس فقط تملك محمد على وعائلته الجزء الغالب من الثروة فى مصر، ولكن أيضًا تملكه أساليب الحصول على الثروة، وعليه الارتقاء الاجتماعى فى البلد. هذا القدر من التحكم فى المجتمع كان جديدًا لم يحدث خلال أى من فترات حكم المماليك. وبالطبع كانت له نتائج سياسية شديدة الأهمية، لكن ما يعنينا هنا أنه أدى إلى إخراج القدرة المصرية من أهم مجال حركة اقتصادية فى البلد.

اثنان- محمد على أراد منذ البداية أن يمكّن عائلته وليس فقط نفسه من حكم مصر؛ أى أنه عمل منذ البداية على توريث مصر لأبنائه من بعده. وقد بدا هذا واضحًا من تعاملاته الأولى مع السلطان العثمانى فى إسطنبول، كما بدا واضحًا من الدور الكبير الذى أتاحه لابنه إبراهيم باشا، ومن بعده لأبناء آخرين مثل طوسون. هذه النقطة مثيرة للاهتمام؛ لأن محمد على، على عكس أغلب المماليك، لم ينتظر كثيرًا منذ وصوله لحكم مصر ليحاول تثبيت حكم عائلى. على العكس، منذ البدايات والرجل يبنى لمستقبل رآه لحكم عائلته على هذا البلد الذى استطاع أن يسيطر عليه.

هذا يوصّلنا للنقطة الثالثة؛ وهى أهمية مصر فى فكر محمد على. هناك من اتهموا الباشا بأنه أراد دولة؛ أيّ دولة فى أى مكان فى السلطنة العثمانية يبنى فيه ملكه ويكون عليه الحكم العائلى الذى تمنّى، لكن أغلب الظن أن ذلك غير صحيح، وأن محمد على رأى فى مصر، منذ مجيئه لها وهو بعدُ ضابط متوسط الرتبة، مكانًا ذا مقومات خاصة؛ أهمها الموقع الإستراتيجى. صحيح أنه لم يحصل على فرصة أخرى فى مكان آخر ليحاول فيه. لكن الصحيح أيضًا أنه فى العديد من المراحل التالية فى حياته كان بإمكانه نقل أساس ملكه، أو توزيع وجود عائلته على أماكن جغرافية أخرى، ولكنه لم يفعل. على العكس، الباشا وأغلب أبنائه قضوا الجزء الأكبر من حياتهم فى مصر. والأهم محمد على ثبت ما عُرِف فيما بعد بالحكم المصرى فى كل الأراضى التى سيطر عليها، سواء فى السودان أو الجزيرة العربية أو كل الشام.

لكن كلمة الحكم المصرى هى النقطة- أو السؤال- الرئيسى هنا. هل فعلًا كان ذلك الحكم، سواء فى مصر أو فى المناطق التى توسّع إليها، حكمًا مصريًّا؟

محمد على اعتمد بشكل شبه كامل على أتراك وبلقانيين وشراكسة وأوروبيين فى تشكيل وتنظيم وإدارة الدولة. ولعل هذا منطقى على أساس أن الرجل كان يريد إنشاء دولة حديثة، وعليه استخدم عناصر لديها تجارب مختلفة مع الحداثة. لكن اللامهرب منه هو أن السيطرة غير المصرية على الدولة- إداريًّا ثم بعد ذلك اقتصاديًّا- استمرت طيلة عهد الباشا. كما أن الجزء الأهم القيادى فى جيش إبراهيم باشا- وهو الجيش الفاتح الذى وسّع سلطان محمد علي- كان فى أغلبه غير مصرى. بالإضافة إلى ذلك أن العدد القليل من المصريين الذين بدءوا الصعود فى بعض الأجهزة الوليدة وقتها فى الدولة المصرية- خاصة التعليم والإدارة المحلية- فرِض عليهم أن يعملوا داخل أُطر كانت مصممة لتحاكى النظم الأوروبية أو التركية والتى لم تراعِ، تقريبًا مطلقًا، التراث المصري؛ سواء فى الثقافة أو العُرف.

وأخيرًا هناك رؤية محمد على باشا نفسه لمصر، وتلك نقطة معقدة. الكثير مما وصلَنا، من خلال مذكرات دبلوماسيين أو تجار أو رحّالة غربيين، جلسوا مع محمد على واستمعوا إليه، فيه مما يدل على تقدير عظيم من الرجل لهذا البلد الذى استوطن، وأحيانًا هناك تعبيرات (وصلَتنا بالفرنسية أو الإنجليزية) تعطى إحساسًا بأن الباشا أحب مصر حب مَن فهم القيمة الخاصة لهذه الأرض وما تستطيع أن تعطيه، لكن هناك الكثير أيضًا مما وصلَنا يدل على استعلاء شديد من الباشا لكل الموروث الحديث لهذا البلد، وأنه رأى فى نفسه سيدًا قادمًا من بعيد ليُمدّن من بعد تصحّر، ليُعلم من بعد جهل، وأحيانًا ليحيى من بعد موت.

هذا يوصّلنا إلى نقطة أدق؛ و ى روية محمد على باشا للمصريين، وهذا موضوع المقال القادم من هذه السلسلة.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن