فرنسا عندنا- آثار الماضى فى أدوار المستقبل

فرنسا عندنا- آثار الماضى فى أدوار المستقبل
طارق عثمان

طارق عثمان

7:19 ص, الأحد, 4 يوليو 21

مقال الأسبوع الماضى كان عن مخاطر التملل الفرنسى على اختيارات السياسة الداخلية. لكن القلق مما يمكن أن يفضي اليه التملل الفرنسى واصل إلى خيارات السياسة الخارجية. ولعله مهم النظر سريعًا فى كيف نظرت فرنسا لتاريخها عندنا، فى العالم العربى. ذلك لأن هناك الآن- فى الشهور السابقة على انتخابات الرئاسة الفرنسية – مراكز أبحاث، بعضها قريب من مؤسسات الدولة هناك، تقوم بإعادة النظر فى تاريخ علاقتها الدولية.

فرنسا تعاملت مع العالم العربى فى نصف القرن الماضى من خلال ثلاث رؤى.

الأولى إمبراطورية .. رؤية ترى أن فرنسا وريث للإمبراطورية الرومانية، طور فكرة الدولة الأوروبية وأضفى عليها رونقًا حضاريًّا وثقافيًّا راقيًا، أدى إلى تطور فكرة الإمبراطورية من القوة المسيطرة (أيام الرومان) إلى قوة تركز على بناء هوية أو مرجعية للآخرين- فى هذه الحالة، هوية أو مرجعية مرتبطة بتاريخ فرنسا ولغتها وثقافتها.. وقد كان ذلك الفكر الذى خرج منه مشروع نابليون ثم الوجود الاستعمارى لفرنسا. هذه الرؤية رأت توسعًا طبيعيًّا لفرنسا جنوب البحر الأبيض المتوسط، سواءً شرقًا إلى الشام، أو غربًا إلى منطقة المغرب ..هذا المشروع انزوى بالطبع مع نهاية عصر الإمبراطوريات الأوروبية. لكنه لم ينتهِ من الفكر الفرنسى. بقي منه تصور إمكانية استمرار سيطرة فرنسية، ليست سياسية مباشرة، ولكن من وراء الستار، وأحيانًا من خلال مصالح اقتصادية. وكان بعض مما بقي من هذه الرؤية، سواء من حنين، أو أحلام، مؤثرًا فى بعض توجهات فرنسا فى شرق البحر المتوسط.

الرؤية الثانية ديجولية؛ نسبة إلى الرئيس الفرنسي شارل ديجول.. وهى رؤية ترى فرنسا صاحبة رسالة سياسية نابعة من ثلاثة عوامل. واحد: تمثيلها لأهم قيم الليبرالية (أو هكذا يراها أصحاب هذا التصور). اثنان: كونها، خلال الفترة من الخمسينيات إلى بدايات القرن الواحد والعشرين، القوى السياسية الأولى داخل أوروبا، وأحيانًا كثيرة القاطرة السياسية التى تقود القطار الأوروبى. وثلاثة: أنها تمثل توازنًا- غربيًا، وليس شرقيًّا، ومنتميًا إلى الرأسمالية، وليس إلى مدرسة فكرية أخرى- للأفكار الأمريكية .. فى هذه الرؤية، فرنسا تعاملت مع العالم العربى كرائد يقدم فكرًا ومثالًا سياسيًّا، ويريد من خلالهما نفوذًا يدعم التموضع الفرنسي داخل المعسكر الغربي. وقد كان المثال الأهم لوضع تلك الرؤية محل تنفيذ هو تعامل فرنسا مع تجربة القومية العربية بعد أن انتهى صراعها مع تلك التجربة حول مستقبل الجزائر، أى فى أوج عصر ديجول ..ثم بعد ذلك، أحيانًا فى سنوات حكم جاك شيراك.

الرؤية الثالثة محدودة الطموح الإستراتيجي، أو ربما نابعة من مصالح آنيّة، ملموسة. فى تلك الرؤية فرنسا بعيدة عن التأثر بدور إمبراطورى قديم، وبعيدة عن أية طموحات قيادية داخل أوروبا، كما هى بعيدة عن محاولة تميز فى الفكر والأداء عن الولايات المتحدة الأمريكية ..هنا السعى وراء المصالح الاقتصادية يأخذ كل الاهتمام، ويستدعي بالضرورة، اتفاقات مع الدول حيث المصالح الاقتصادية الأكبر، خاصة فى الخليج.

لكن المهم- وهذا جوهر بعض النقاشات النابعة من الدراسات الجارية الآن فى بعض مراكز الأبحاث الباريسية- أن فرنسا فى أحيان كثيرة تصرفت فى العالم العربى دون مرجعية فكرية، وأحيانًا دون تحديد هدف واضح يمكن قياس درجة الوصول إليه أو النجاح فيه. بعض المفكرين الفرنسيين يوجهون اللوم هنا إلى تغيرات فى هياكل مؤسسات مهمة فى صنع القرار الفرنسى. وقد كان هناك سياسيون كبار وراء هذه التغيرات. لكن بغض النظر عن آراء بعض المفكرين فى بعض الرؤساء الفرنسيين فى العشرين عامًا الماضية، المهم أن إحدى النتائج النابعة من تلك الدراسات أن السياسة الخارجية الفرنسية فى فترات متعددة من العقود القليلة الماضية، فى عدد من المناطق فى العالم، ومنها العالم العربى، كانت تائهة.

هذه النقطة متعلقة بصعود أقصى اليمين الفرنسى. ذلك أن أصواتًا عديدة فى أقصى اليمين تتهم الطبقة السياسية الفرنسية- وتلك بالطبع تضم أهم أصحاب النفوذ فى مؤسسات الفعل الفرنسى- بأنها صاغت سياسة فرنسا الخارجية على تصورات تاريخية عفا عليها الزمن، وعلى أوهام لا علاقة لها بالمشكلات التى يعانيها المواطن الفرنسى، وأن بعض السياسات الخارجية تسببت فيما يراه أقصى اليمين على أنه مشكلات كبرى، وأهمها ازدياد كبير فى معدلات الهجرة- خاصة من دول ذات غالبية إسلامية- إلى فرنسا.

والحاصل من ذلك، أنه مع القلق الشديد من احتمالات فوز أقصى اليمين فى الانتخابات، هناك ضغط على مراكز الأبحاث الجادة أن تعيد النظر فى مبادئ وتصورات السياسة الفرنسية. الهدف بالطبع ليس إحداث تغيرات كبرى سريعة. نحن نتكلم عن فرنسا وهى دولة مؤسسات عريقة، ذات ثوابت. لكن الهدف هو النظر فى التاريخ الحديث- أو التاريخ المباشر كما يسمى أحيانًا- بشكل لا يستثني فرضيات من التدقيق ومن المراجعة، أي أن الهدف هو استبعاد احتمالات أن تتوه السياسة الفرنسية مرة أخرى، خاصة فى العالم العربى.

لا شك أننا لن نرى تغيرات فى التصورات أو فى المواقف الفرنسية قبل الانتخابات؛ لأن كل ما يجرى من دراسات ما زال تحضيريًّا، مما يدور فى دوائر مراكز الأبحاث، وليس اجتماعات أجهزة القرار. لكن إذا حدث ورأينا زلزالًا يهز السياسة الفرنسية ورأينا قيادة شديدة اليمينية فى قصر الإليزيه، ساعتها ستخرج الكثير من التقييمات الجارية الآن إلى النور، وساعتها سنرى تغييرات مهمة، وبعضها كبيرة، فى تعاملات فرنسا مع العالم العربى.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن