فاطمة- المحققة الجنائية

فاطمة- المحققة الجنائية
طارق عثمان

طارق عثمان

6:48 ص, الأحد, 12 يونيو 22

المحققة الجنائية دور نادر للمرأة فى الأدب العربى، لكن فاطمة فى فيلم يوسف الشابى الجديد، ليست غريبة علينا (نحن المشاهدين). فاطمة ليست شبهًا باهتًا لمحققين غربيين- من كولومبو إلى هيركول بوارو. فاطمة أيضًا ليست شبهًا باهتًا لشخصيات نسائية عرفناها فى الأدب المعاصر، سواء فى روايات إحسان عبد القدوس أو فى أشعار نزار قبانى. فاطمة لا هى متمردة على مجتمعها، ولا هى إلهة يحجّ إلى عينيها والهون.

فاطمة شخصية متكاملة، وإن كانت تحجب وجدانها وراء ستار من التحفظ فى المشاعر وفى الأفكار التى تقولها لآخرين. شخصية متكاملة بمعنى أننا بسرعة نرى فى فاطمة الجوانب الطبيعية لأى إنسان نعرفه. نرى عائلة، قليلة العدد، محدودة العلاقات، بلا مشاعر جارفة ولكن بلا مشكلات طاحنة. فاطمة لديها بُعد اجتماعى نفهمه ولكنها بلا خيوط تعوق حركتها فى المجتمع.

ملامح فاطمة “مننا وعلينا”، كما يُقال بالعامية المصرية. ملامح سيدة شرقية، فيها مما تركه البحر الأبيض المتوسط وتركته وديان وجبال الشام، وتركته واحات الجزيرة العربية، وتركته خلجان تونسية وجزائرية، وطرق أطلسية مغربية، على وجوه نساء عربيات. وجه فاطمة جميل- جمال يراه العائد إلى داره بعد سفر، جمال ابتسامة صباح مشمس فى يوم عطلة- لكنه ليس جمالًا آخاذًا، ليس جمالًا مثل ما جرّ شعراء العربية إلى طرق الهيام. جمال فاطمة مريح، مألوف، يتوه فى الطرق المزدحمة فى العواصم العربية. وفى هذا النوع خاصة من الجمال تكمن قوة الألفة، يكمن الاجتياح الهادئ للراحة.

مع العائلة ومع الجمال الهادئ، بسرعة أيضًا نرى عمل فاطمة- المحققة الجنائية. عمل لم نعتدْ أن نرى نساء فيه، ولكننا معتادون عليه. نعرف، من مئات الروايات والأفلام، ما يدخل فى تفاصيل هذا العمل. لذلك نحن لا نستغرب عندما نرى فاطمة فى موقع جريمة تعطى أوامر متلاحقة بلهجة سريعة- لكننا قد نستغرب أن نسمع تلك الأوامر من فاطمة. الصوت النسائى هنا غير معتاد على الأذن العربية.

وهنا دقة جرس، انتباه، لعقل المشاهد، أن فاطمة، مع كونها خارجة من نسيج المجتمع الذى نعرف، مع أنها متناغمة مع تيارات الناس فى الشوارع العربية، خارجة منها وسائرة فيها، ربما تحمل معها جديدًا لا نعرف.

وهذا ذكاء الاختيار- اختيار أن يكون المحقق أنثى، فاطمة- من تعرف مجتمعنا ونعرفها، من تدخل بيوتنا ونفتح لها الباب باعتياد- لكننا لم نعتدْ عليها فارضة علينا أسئلة كثيرة، مطالبة لنا بتفاصيل، والأهم سائلة لنا مرة وراء أخرى، لماذا فعلنا هذا، ولماذا لم نفعل ذلك. فاطمة «مننا وعلينا»، ولكننا لم نعتد أن تفتح لنا تحقيقًا. الأنثى هنا ليست صاحبة دور ثانوى، ليست ديكورًا جماليًّا بلمحة إغراء، وليست مستضعفة فى مجتمع ثرى قوى. الأنثى هنا صاحبة القوة، العقل الفاهم الهادئ الذى يحاول أن يصل إلى عمق المشكلة. وربما الأهم الأنثى هنا من يلجأ إليها المجتمع لحل المشكلة، لكشف أين تكمن الحقيقة. بالطبع، الأنثى هنا تتعدى فكرة النوع.

إنها تمثيل لكل ما كانوا فى سير المجتمع على الهامش، والآن وقد وصل المجتمع إلى زاوية لا مهرب منها، يأتى هؤلاء بمحاولات للحل.

الجريمة فى الفيلم مهمة، جزء من الحبكة. لكن بالطبع الأهم هو المعنى الواصل إلينا، إننا لسنا فقط أمام جريمة واحدة ولكننا نعيش وسط جرائم مختلفة. جرائم بالدرجة الأولى ضد العقل والوعى، ولكنها فى أغلب الأحيان واصلة للمشاعر وجارحة للوجدان. جرائم داخلة فى عمق الإنسان- فى البداية تضربه ثم تكسره ثم تدريجيًّا تتآكل إنسانيته. تلك جرائم لا يعاقب عليها قانون الجنايات، لكن يعاقب عليها المفهوم الحق للإنسانية، المفهوم المرتفع بالإنسان من تراب الجهل إنسانيته إلى علاقته اللانهائية بالحق المطلق، بالعدالة المطلقة.

فاطمة لا تبستم كثيرًا. إنها الوعى العارف بمدى فداحة الكارثة فى المجتمع، لكنها لا تصدر أحكام قِيمة- على الأقل ليس بلسانها- وإن كان ربما خلف هاتين العينين الصارمتين هناك أحكام شديدة على المجتمع.

فاطمة أيضًا لا تهجر المجتمع، لا تذهب بعيدًا فى هجرة فعلية أو عقلية. فاطمة تعمل من الداخل، تحاول، لكنها على عكس دون كيشوت، لا تضيِّع مجهودها ووقتها فى صراعات مع طواحين هواء. فاطمة تحاول أن تُرى المجتمع الجرائم التى تُرتكب فيه- والجرائم التى يرتكبها. فاطمة تحاول، بوعى العارف الخارج من السياق ولكن الخارج عليه، أن تحقق قدرًا من العدالة- ليس فى إطارها القانونى المجتمعى، ولكن فى إطارها الأسمى، إطار الترقى إلى العدالة المطلقة. فاطمة هنا ليست فقط محققًا جنائيًّا عدليًّا، ولكنها محقق للعدل، تجنى منه وإليه.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن