مقهى فندق سان جيوفانى بالإسكندرية المنحوت على شاطئ ستانلى.
الجمعة.. تمام الساعة الواحدة بعد الظهر.. من يوم العاشر من مايو عام 2013، الذى تصادف أنه عيد ميلادى.
عندما كنت صبيا لم اكن اتخيل نفسى على الاطلاق احتفل به فى سنة متقدمة كهذه… كانت اقصى نقطة يمكن أن يصل اليها وعيى هى عام 2000، وصاحب الفضل فى ذلك الرئيس السادات!
■ ■ ■
كانت حرب أكتوبر قد انتهت والتى لا اتذكر منها الآن سوى أغانيها الحماسية فى الاذاعة..
خلى السلاح صاحى صاحى صاحى
لو نامت الدنيا صحيت مع سلاحى
سلاحى فى ايديا نهار وليل صاحى
.. وأيضاً
رايحين رايحين رايحين فى ايدنا سلاح
راجعين.. راجعين.. رافعين رايات النصر
مازال يعلق بالذاكرة ايضاً قلق أمى وجدتى على مصير خالى الضابط بالفرقة 18 مشاة، التى قادها اللواء القبطى فؤاد غالى للعبور وتحرير مدينة القنطرة شرق… كذلك ثرثرة نساء العائلة وتندرهم على ابن خالة امى الذى اعتاد أن ينزل معنا البحر بالعوامة فى اجازات الصيف بالإسكندرية، ومع ذلك وجد نفسه مضطرا للعبور فى قارب مطاطى تحت مرمى النيران.
عاد خالى.. لم يحك كثيرا عن الحرب، بدا عليه تحفظ لم اعرف مصدره، القصة الوحيدة التى اذكرها، حرص أن يرويها عندما ورد اسم قائده، وكأننا بحاجة لتفسير، يفك تناقضا ما فى ذهنه، بين كون الرجل مسيحيا، وبطلا فى الحرب فى الوقت نفسه.
تقول الرواية التى انتشرت بين قطاع من الضباط.. إن السادات قد جمع قبل الحرب القادة الاقباط، وتوعدهم فى حالة الخيانة! اذن فولاؤهم وبطولتهم، نتاج تهديد ووعيد؟! هذه هى النتيجة حين يصبح الدين هو معيار الصلاح والجودة، لا الوطنية… روايات وقصص تشبه الاساطيرحتى وان حدثت!
اشك كثيرا لدرجة النفى القاطع فى صحة هذه الرواية، ولكنها تكشف بدرجة فاضحة، أن بذور التطرف لم تجف قط فى اى وقت فى المجتمع المصرى… فقط تحتاج إلى مهدئ أو منشط، ياتى عبد الناصر فتقل جذوتها لحدها الادنى، يتولى السادات، فتشتعل لدرجة الانفجار.
ما بعد الحرب.. النقطة الأبرز بكل تأكيد هى تجليات سياسة الانفتاح.. التى دشنها فى عام 1975 الرئيس الراحل… لم اعر التفاتا كبيرا لمقالة الكاتب الراحل احمد بهاء الدين بعنوان “الانفتاح سداح مداح”، بعكس ابى الناصرى الذى راقت له كثيرا، حتى بات يردد عنوانها فى كل مناقشة يدخلها تقريبا إلى أن وافته المنية، فى منتصف التسعينيات.
كطفل على اعتاب مرحلة المراهقة، كان الانفتاح بالنسبة لى كرنفالا، وفرصا اضافية للهو، والضغط على العائلة، لاقتناء ما يعبر عن مواكبة المرحلة.
فى هذا الاطار تعرفت على مدينة بورسعيد، التى تحولت بقدرة قادر، من رمز الصمود، إلى وثن للانفتاح، يرحل إليه الجميع، لاقتناء البنطلونات الجينز ماركة «لى»، و«ليفيز» و«كنت» و«اف يو اس»، والأحذية الانجليزية من ماركة «كلاركس»… ثم حدثت الطفرة بالتحول إلى ارتداء الاحذية الرياضية المستوردة، من ماركات: اديدس، واسكوت، ودانلوب.. بدلا من احذية سلاسل عبد الناصر الوحيدة.. والتى عرفت باسم «باتا».
ثم جاء «ويمبى».. أول سلسلة مطاعم أمريكية تفتتح فى مصر، لتصبح مقصد مراهقى الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة للمواعدة على الطريقة الانفتاحية، لقاء يرتدى فيه الطرفان الملابس المستوردة البورسعيدية، وعدسات الشمس «الريبان» لمن استطاع اليها سبيلا، ويأكلون الهامبورجر والسوسيس ورقائق البطاطس الملونة بالكاتشب والمستردة، ويختتمون بالمشروبات الغازية.
والطريف أن اول موعد غرامى حصلت عليه لم يكن فى ويمبى.. ولكن فى معرض الكتاب بموقعه القديم فى ارض المعارض بالجزيرة، مكان الاوبرا الآن، والامانة تقتضى أن اعترف بأننى لم اظفر به بمجهودى، وانما كمرافق لصديقى صاحب الموعد الاصلى، والتى كانت فتاته بطبيعة الحال، تحتاج لمن يجالس صديقتها… واعلم أن اعترافا كهذا قد يفاجأ به الكثيرون.. هؤلاء الاستاتيكيون الذين يتصورون أن الله قد خلقنى على شاكلتى الحالية!
كانت مصايف الشريحة العليا من الطبقة الوسطى بدورها تتشكل، فى مرحلة السادات، بزغ نجم المعمورة، بجانب المنتزه، قبل أن يسحب البساط منهما معا العجمى، وذلك بالطبع قبل ظهور الساحل الشمالى بتنوعاته الطبقية فى عهد مبارك… وكان الذهاب إلى المعمورة – بعد إلحاح مرير على الأهل – يشكل الضلع الثالث فى مثلث استمتاعى الانفتاحى جنباً إلى جنب مع رحلات التبضع لبورسعيد والتسكع فى ويمبى.
كان عدد كبير من نجوم الفن يقطنون شاليهات المعمورة، وكنت اقف مشدوها فى هذه السن الصغيرة، وانا اشاهد مباريات لكرة القدم ينظمونها فى المساحات الخضراء المتاخمة، يشارك فيها لاعبون بقامة فريد شوقى وعبد المنعم ابراهيم وبدر الدين جمجوم ومحمد عوض…. واحيانا ليلى طاهر!
ولحقت بآخر زمن حفلات الفرق الموسيقية فى الاسكندرية، قبل أن تطغى ثقافة العشوائيات والقيم المحافظة للإسلاميين القادمين من الخلف على ثقافة المدينة الساحلية المتحررة، الثرية بتعدد ثقافاتها.
وعلى شاطئ المعمورة ايضا، رأيت لاول مرة فى حياتى فتاة ترتدى البكينى، ولحسن حظى كانت تستحقه بجدارة، جسد ممشوق، ونهدان بارزان، وخصر ضيق، لعب دورا تاريخيا بالنسبة لى فى إبراز ما فوقه وتحته.. ومعذرة على التفاصيل، فأنا اكتب الآن كما شعرت حينها!
فى وسط هذه الاجواء التى بدأت فيها تشققات الطبقة الوسطى في الظهور، بين طموحها فى مجاراة الواقع الاستهلاكى الانفتاحى، وعجز اغلبها عن ادراكه، تفاقمت المشكلات الاقتصادية وفى مقدمتها الغلاء والبطالة، ما دفع الرئيس السادات إلى القفز إلى الامام، باعلان عام 2000، عاماً للرخاء، بما يعنى عملياً، أن على المصريين، تحمل شظف العيش، من اجل أن ينعم اطفالهم-وانا واحد منهم فى ذلك الوقت- بخيرات دولة الرفاه فى المستقبل.
والطريف أنه حين حل عام 2000 تحديداً كنت بلا عمل تقريباً.. ويالها من مفارقة!
■ ■ ■
والآن وبعد مرور نحو 35 عاماً على الوعد الساداتى، فإن الرئيس مرسى وجماعته، يعدون بدورهم بوضع مصر فى مصاف الاقتصادات الكبرى فى العالم بحلول عام فى 2025.. ولا أعلم لماذا يساورنى قلق، وتنتابنى المخاوف، من أن يتكرر الامر برمته مع ابنى، فلا يتجاوز سقف احلامه للاحتفال بعيد ميلاده، عام 2025، على اعتبار أن الرفاهية المطلقة للجميع حينها، ستجب تماما اى نزعة فردية للسعادة، ناهيك عن الاحتفال… ويقينى أن خيبته ستماثل خيبة ابيه.
أنا شخصياً بت أفضِّل السلفيين.. فهم على الأقل يقفزون بك إلى الآخرة، ويعدونك مباشرة بالجنة!