«عدم الانحياز».. ما بين التحييد الإمبريالي وتقليم الإمبراطوريات

«عدم الانحياز».. ما بين التحييد الإمبريالي وتقليم الإمبراطوريات
شريف عطية

شريف عطية

7:31 ص, الخميس, 19 مايو 22

شهد القرن العشرين العديد من الحروب الطاحنة راح ضحيتها مئات الملايين من البشر، أدت إلى صعود وانحسار قوى عظمى كانت على رأس الأنظمة الدولية المتعاقبة منذ القرن 19، من “ثلاثة ضد واحد” إلى الثنائية البريطانية- الفرنسية حتى القطبية النووية، إلى أن انفردت الولايات المتحدة بزعامة العالم فى تسعينيات القرن المنصرم إلا من الصعود الصيني والصحوة الروسية، بجانب سعي الأقطاب القديمة مع قوى ناشئة للمشاركة فى عالم متعدد الأقطاب.. لولا الهاجس الأميركي للحيلولة دون انتزاع واحديتها القطبية، ما أصبح يهدد باتساع الأزمات القائمة فى أقاليم العالم المختلفة على الصُّعد العسكرية والاقتصادية والمالية، لربما إلى حرب عالمية قد تكون نووية تكتيكية، ذلك ما لم تبذل الجهود للإحياء الإيجابي لكتلة عدم الانحياز التى مارست قبل نحو ستة عقود.. أدوارًا لا بأس بها للاستقرار الدولي على أيدى زعماء تاريخيين أصبح من النادر التطلع لمن على غرارهم، وإن كان في إمكانهم اتباع مسار مستقل فى السياسة الخارجية، خاصة أن الهند قد أصبحت فى حد ذاتها قوة عالمية يمكنها ممارسة دور إيجابي ومن خلال عضويتها فى مجموعة دول “بريكس”، أما مصر فإنها لن تكون قادرة على توفير القيادة المطلوبة لإعادة سابق فاعلية حركة عدم الانحياز- إلا من خلال “الترويكا العربية” التى تضمُّها مع كل من السعودية ودولة الإمارات؛ حائطي الصد البترولى، وإلى غير ذلك من الدول الأفروآسيوية التى يمكنها تقديم صيغة جديدة للحياد الإيجابى، وعلى النحو المشهود للتحولات الجارية فى النظم الإقليمية ممن تتزايد مصالحهم باطراد خارج الخضوع المطلق للأجندة الغربية فى سياقها “الأطلسى” منذ 1949.. لمواجهة روسيا التي بصدد استحداث معاهدة للأمن الجماعي- مع حلفائها- تكون بديلًا عن انحسار حلف وارسو في التسعينيات، إذ توازى مع تفككه أولى معارك حلف شمال الأطلسى “ناتو” فى يوغسلافيا السابقة، وقبل تمدده شرقًا نحو الفضاء السوفيتى السابق، ناهيك عن قيادته لتحالفات دولية (أميركية) لغزو أفغانستان والعراق مطلع القرن، إلى ليبيا وشرق سوريا من 2011، ومن بعد إلى نشوب الحرب فى أوكرانيا فبراير 2022، وإلى أن أعلنت كل من فنلندا والسويد فى مايو الحالى تأييدهما لانضمام بلديهما إلى حلف “ناتو”، فيما تلوِّح روسيا بنشر السلاح النووى على الحدود الأوروبية، وليقف العالم مشدوهًا على شفا هاوية حرب عالمية ثالثة قد تشعلها أطماع إمبريالية من الجانبين المتصارعين على صدارة النظام الدولى، إلا من جهود دبلوماسية تشكل محورًا ومرتكزًا لإستراتيجية جديدة تعمل على إحياء الحياد الإيجابى لكتلة عدم الانحياز التى أصبح دورها ضروريًّا للحيلولة دون توسيع حدود الحرب لئلا تنفلت من عقالها فى خضم الصراع القيمي ما بين الليبرالية الغربية والبيروقراطية الشرقية، ولما يسمح للدول النامية والمتوسطة باتباع سياسة مستقلة تعود عليها بالنفع دون الانخراط فى صراعات إمبريالية لا ناقة لها ولا جمل فى التورط بها، ومن ثم إلى تعظيم مصالحها فى إطار نظام دولي تعددي.. بحيث تكون درجة اعتمادها على أي من القوتين العظميين أقل بكثير عما عليه الآن.. ما يؤهلها للمناورة بين التحييد الإمبريالي وتقليم الإمبراطوريات