لم تستقر القمة الأميركية – الصينية «الافتراضية عن بعد» منتصف نوفمبر 2021 على اتفاقيات محددة، إذ ظلت نقاط الاختلاف قائمة، وتتضاءل فى السنوات الأخيرة فرصُ إبقاء الصراع بينهما، محدودًا، ما قد يؤدى إلى انزلاقهما فى صدام مفتوح، ولو لم يكن مقصودًا، ربما تفرضه حداثة إدارة الدولتين للعلاقات الخارجية بالمعنى الذى سبق للمملكة المتحدة أن استنّت مفاهيمها الدبلوماسية، إذ نشأت حول التاريخ الأميركى القصير نسبيًّا منذ القرن18 .. فلسفات متعارضة نظرًا للاختلافات بين الفئات التى يتألف منها الشعب الأميركى، ما يجيز إجراءات فردية متناقضة ومتضاربة، إلا فى الدفاع عن مصالحها فى الميدان الدولى حال تعرضها للخطر، للإبقاء على مركزها – القوة الأولى – بلا منازع فى نصف الكرة الغربى، كذلك فى الاهتمام – إضافة إلى أوروبا – بسياسات آسيا منذ مطلع القرن العشرين، وبحيث أصبح مجمل سلامتها رهينة بحفظ توازن القوى فى أوروبا وآسيا على غرار دخولها فى الحرب العالمية الثانية ضد النازية الألمانية والفاشستية اليابانية.. لإقصاء الخطر بعيدًا عن القارة الأميركية.
وأما عن الصين- رغم عبقها الحضاري- فهى أيضًا حديثة العهد فى إدارة العلاقات الخارجية بالمعنى المفهوم حاليًّا، إذ ظلت علاقة القصر الإمبراطورى فى بكين بالعالم الخارجى (البرابرة الأجانب) على مدى قرون طويلة كعلاقة السيد بأتباعه، ولتظل هذه العزلة (الرائعة) إلى أن قضى عليها الضغط الغربى فى القرن التاسع عشر، ولتتغير بها الحال منذ ذلك التاريخ.. ما بين انهيار إمبراطورية «المانشو 1912» إلى اشتعال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب حتى العام 1928، ومن دون أن يعرف التاريخ الصينى الحديث حتى قيام الثورة الشيوعية 1949، إلا سنوات قليلة استطاعت فيها الحكومة المركزية أن تباشر معها العلاقات الخارجية، إلا من بعد اقتطاع فورموزا (تايوان) التى انسحبت إليها فلول «تشيك كاى تشيك» أعقاب انتصار الشيوعيين، ولتظل منذئذ نقطة تماس لنزاع بين الصين الشعبية والولايات المتحدة.. تهدد بنشوب الحرب، ما بين «صين واحدة» من عدمه، إذ تراها بكين، مع أراضٍ أخرى مقتطعة (نحو 4 مليون كم مربع) «وديعة من السماء» لا بد من استردادها كعقيدة لمشروعية الحكام فى الدفاع عن الحدود ضد غزوات «البرابرة». إلى هذا السياق ما بين دولتين، الأقوى اقتصاديًّا فى العالم، وحديثتى العهد بدبلوماسيات العلاقات الدولية مقارنة بتراث الأمم الأخرى، إذ بهما تتنازعان على زعامة النظام الدولى، ما سوف يتعرض بسببهما الكوكب البشرى، مسامى الحدود، إلى العديد من المخاطر، من سلبيات متغيرات المناخ، وعما يتواتر عنهما من اتهامات متبادلة لتصنيع الجائحات الجرثومية، إلى اتجاههما نحو التلاعب فى سلات العملات العالمية، إضافة إلى التسابق المطرد بينهما – الاقتصادى والسيبرانى وفى مجال التسليح (الصواريخ الأسرع من الصوت) إلى عسكرة الفضاء.. إلخ) ما يهدد بتحول الحرب الباردة بينهما لسنوات ليست غير طويلة.. إلى مواجهات ساخنة تؤججها محدودية درايتهما بنواهى «دبلوماسية الحرب» حين ترتبك دقائق جناحيها ما بين التعايش أو التقاتل، خاصة مع تعارض النموذج السياسى القيمى بين نظاميهما، إذ إن ما يجرى فى الصين أشبه بتناسل أباطرة للدولة الأكبر سكانًا.. وثانية اثنتين على مستوى الاقتصاد فى العالم.. والجيش الأكبر عددًا، بحيث يصبح الرئيس الصينى «حارس الحلم الصينى»، فيما لا يمكن للرئيس الأميركى أن يقيم فى منصبه أكثر من ولايتين، تحت رقابة صارمة من الكونجرس والإعلام، أى يأتى ويذهب، بينما الرئيس الصينى يأتى ليقيم، وليدور الصراع الإستراتيجى بينهما عبر هذا السياق ما بين المحور الآسيوي – المحيط الهادى الذى اتجهت إليه الإستراتيجية الدفاعية الأميركية 2011 باعتباره المنطقة الأهم فى العالم اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا خلال القرن 21، وبهدف حصار الصين فى محيط مجالها الحيوى، إلا أن الصين سرعان ما قادت هجومها المضاد على اتساع العالم عبر مبادرة «الحزام والطريق»، أى ما بين المحور الآسيوى وإحياء طريق الحرير لسوف تتحدد طبيعة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين.. وتطوراتها المحتملة