مع صعود الحركة الوطنية فى مصر، وبالتوازى مع امتداد إرهاصاتها إلى المحيط العربي، فقد كان لدور كل من الملك فاروق والرئيس عبد الناصر منهجية واحدة بالنسبة للقومية العربية، تجلت فى تأكيد عروبة فلسطين، سواء من خلال موقفها المبدئى فى مؤتمر لندن بشأنها فى العام 1939 أو فى خوض حرب فلسطين من أجلها فى العام 1948، أو فى رفض مساعى التسوية الأميركية للسلام مع إسرائيل فى العام 1953، ناهيك عن إنشاء جامعة الدول العربية 1945، بفضل جهود الدبلوماسية الشخصية للفاروق، الأمر الذى رسخه عبد الناصر طوال النصف الثانى من الخمسينيات، بالإسهام فى تحرير دول المغرب العربى من الاستعمار الفرنسى.. إلى الوحدة الاندماجية مع سوريا لولا أن باشرت القاهرة دورًا إمبراطوريًّا أدى إلى انفكاكها 1961، ومن ثم إلى تقسيم الوحدات السياسية العربية ما بين دول محافظة وتقدمية، ما أدى إلى تفاقم نوازع الغيرة الدبلوماسية فيما بينها، وإلى حد التورط فى التصادم منذ 1962 على خطوط إستراتيجية شرقى السويس بالقرب من أكبر احتياطيات النفط فى العالم، قبل أن تتخلى عن مصر مصالح كل من القطبين الأميركى والسوفيتى فى العام 1967، بالتوازى مع انفراط عقد جامعة الدول العربية تباعًا ما بين اتحاد الجمهوريات العربية ومجلس التعاون الخليجى واتحاد المغرب العربى ومجلس التعاون العربي، ومن ثم إلى انحسار دورها فى مباشرة القضايا العربية، باستثناء تضامنهم لمواجهة الهجمة الصهيونية 1967 – 1973، قبل أن تؤدى تعقيدات قضايا الحرب والسلام إلى بلوغ التمزق العربى مبلغه.. بتجميد عضوية مصر فى الجامعة العربية طوال الثمانينيات.. دون دعوة إلى التمهل والتعقل لإنقاذ المنطقة العربية التى خاضت منذئذ حروب الخليج الثلاث حتى 2003، سواء فيما بينهما أو مع جاراتها غير العربيات، وفى مواجهة خصومها التاريخيين، ذلك قبل أن تتنازعها كتلتان، للاعتدال والممانعة، مرورًا بالفوضى غير الخلاقة التى أذنت بثورات الربيع العربى 2011، حيث لا يزال العمل العربى منذئذ مبعثرًا إلا من جهود لاستحداث ما قد يسمى “الترويكا العربية” من مصر والسعودية والإمارات، كما بالنسبة لتحالف ما يسمى “المشرق الجديد”، بين مصر والعراق والأردن، القابل للتوسع.. خاصة حال توصل الكونجرس الأميركى، بعد 180 يومًا من موافقة البنتاجون، لاستصدار قرار بمقترح لضمها ودول الخليج مع أصدقاء أميركا وإسرائيل إلى منظومة رادارية موحدة للدفاع الجوي، بهدف مواجهة إيران.. التى أصبحت منذ عقود أشبه بالفزاعة الأميركية لاستمرار هيمنتها مع إسرائيل على المنطقة العربية من شرق البحر المتوسط إلى شرقى السويس. على خلفية هذه السردية المصرية- العربية لنحو ما يزيد عن ثمانية عقود، بين عروش وجمهوريات، سواء بالاختلاف معهم أو موافقتهم، بقيت زعامة مصر العربية كبطل شعبى فى مخيّلة مواطنى المنطقة، ذلك رغم بُعد الشُّقة الزمنية عن رحيل “عبد الناصر” التى تمثل مرحلته نموذجًا عريقًا ابتداء من خطابه الشهير بالأزهر عن القتال ضد قوى العدوان فى 1956، إلى مرحلة التصادم المحلى والعربى والدولى لما أطلق عليهم قوى أعداء النظام، بحيث تبدوان- الصمود والقمع- كصورتين متناقضتين بالكلّية حتى انكسار زهوة الحكم الناصرى فى 1967، وليمتدّ هذا المنظور إلى العهدين التاليين لحكمه.. حتى ثورة يناير 2011 التى أعادت رفع صوره فى انتفاضة الميادين قبل الاستيلاء عليها، كرؤيتين يتبادلان الأدوار فيما بينهما، سواء بعين الواقع للسردية المنصرمة أو سواء بعين السلطة فى الوقت نفسه، إذ تمثل الحقبة الناصرية المشهد الأول لحرية الرأى المخطط لها من جانب التنظيم السياسى الواحد، فيما تمثل ثورة يناير، بفاصل أربعين عامًا، وما تمخّض عنها، متن المشهد الثاني، ذلك قبل ميلاد جمهورية جديدة يجرى الحوار الوطنى بشأنها من يوليو 2022 للتوصل إلى مخرجات وفقًا للرؤى الوطنية المختلفة، ولصالح المواطن المصرى إذ ربما تبزغ عندئذ مصر “العربية” ضمن القوى الكبرى، كى تمثل المشهد الثالث لسردية ملك وأربعة رؤساء لمصر.. فى العمل العربى المشترك
شريف عطية
7:18 ص, الأحد, 12 يونيو 22
End of current post