ساحل ملكى على ضفاف السيد المتوسط

ساحل ملكى على ضفاف السيد المتوسط
طارق عثمان

طارق عثمان

7:17 ص, الأحد, 22 أغسطس 21

إنه ساحل قيصر، ذلك الخليج الصغير المواجه لتلك الجزيرة المهجورة.. محمود القادم من الإسكندرية، الذى يعمل فى مطعم سمك هادئ على الشاطئ، قال لى إن الاسم يعود لرجل رومانى – «أو حاجه كده» على قوله – جاء وتزوج كليوبترا.. إذن، هنا توقف أسطول يوليوس قيصر القادم من إيطاليا هادفًا الإسكندرية وعرش كليوباترا ومن ورائهما مصر. لكن هانيا، صاحبة تلك العشش على الساحل، ابتسمت فى سخرية قبل أن تسألنى: مين اللى قالك الكلام ده؟.. إنها مجرد تسمية، لا أتذكر من أطلقها، لكنها مع الزمن «لزقت»، وأصبحت المنطقة «سيزار» (قيصر).

بعيدًا عن الاسم، الشاطئ فيه رونق الملَكية.. رمال فاتحة الصفار تكاد تقترب من البياض، مياه متدرجة الألوان، من السماوى ناحية الشاطئ إلى الأزرق الفاتح وكأنه حلقة وصل بين ما تقف عليه الأرجل وما تذهب إليه الأعين، إلى الأزرق الداكن الدال على العمق والثقل والباعث فى النفس بالثبات. أنت فى رحاب جلال الطبيعة.. أنت فى رحاب البحر، أصل الحياة، رابط القارات.. وليس أى بحر.. إنه الأبيض المتوسط، إنه السيد الكبير الذى نَمت على شواطئه حضارات الجمال والفتوة، حضارات الفلسفة والهوى.. لكن ذلك الأزرق الداكن باعث مع ذلك بشعور بالحذر.. تذكر أين أنت ومن أنت.. جلال الطبيعة ليس فقط للنظر باستمتاع، ليس فقط خلفية لوقت استرخاء.. جلال الطبيعة طاقة خلق، وفى تلك الطاقة تجلٍ من تجليات الخالق.. كما أن ذاك السيد الممثل هنا لذلك الجلال طالما ما ثار وغضب، وكما صوره اليونانيون – وهم من أفضل من غاصوا فى كينونة البحر الأبيض المتوسط – هو عاطٍ للخير وواهب للثراء، كما هو باطش مدمر إن زاغ العقل عن الاحترام وذهب عن الوجدان الأدب الواجب فى حضرته.

يعود البصر إلى الخليج، والخليج مرسى طبيعى.. ترى ذلك بوضوح فى تكسر الأمواج بعيدًا عن الشاطئ ولذلك هناك تلك الخطوط البيضاء المتعرجة على صفحة الماء.. إنها إذن ليست فقط تلك الجزيرة القريبة، بل أيضًا معها وحولها صخور كثيرة ونتوءات فى الأرض تُضعِف اندفاع الماء وتجعله يصل الشاطئ فى أغلب الأحيان مستكينًا كما لو أنه يقبل اليد طاعة. 

لكن جمال الاحترام للأبيض المتوسط ليس فى وصول الموج، ولكن فى نظر القادمين إليه، السائرين على شاطئه، وأغلبهم هنا من أقاصى أوروبا أو شمال غرب آسيا حيث ثقافات بقى لها قرون عديدة تدور فى الفلك الروسى فأخذت منه ما أخذت.. عند هؤلاء وجدان جمعى ينشأ مع القليل من ثراء الشمس ومع أقل من عطاء البحور، فما بالك بعطاء ذلك السيد العظيم الأبيض المتوسط.. لكن عندهم مع نظرة صارمة من الطبيعة، جلال منها من نوع آخر.. لذلك فهم حاجون للشمس، للماء، مدركون لمعنى رونق المكان، والرونق من التناغم الكونى، وفى قلبه احترام الإنسان المحترم الواعى للجمال الذى حوله، الجمال الذى، إن وعاه واحترمه، أدركه.

هناك الكثير من الابتسامات هنا.. أهل البلد، المصريون، على هذا الشاطئ البعيد الهادئ جاءوا لمصيف بسيط بلا صخب، ولذلك ففى الأحاديث سهولة.. إنه جو يُذكر بأجواء العجمى فى الثمانينيات والتسعينيات (وتلك لمن خبرها أجواء حملت تناغم المجتمع المصرى قبل أن تصل لأكتافه شوائب كانت لعقود كثيرة متعلقة فقط فى الأقدام).. أما القادمون من أراضٍ بعيدة بثقافتهم المتشبعة بصرامة ما حولهم، وبتجربة حياتية ليست سهلة، فإن ابتساماتهم، وإن كانت فى أولها شاحبة، فإنها واسعة، ومع المعرفة والارتياح، تُظهِر ما تحمله تلك الأرواح القادمة من أراض صقيع من شوق إلى الدفئ.

سواء عبرت تلك المياه سفن غازى رومانى أم لا، هذا ساحل جدير بالاسم الملكى. فسلام على ذاك الشاطئ الجميل وعلى السيد العظيم البحر الأبيض المتوسط، وعلى السيدة صاحبة المكان، مصر.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن