لا تزال روسيا بوجه واحد رغم تعاقب حقباتها من القيصرية والسوفيتية إلى الانفتاح مؤخرًا قبل نحو ثلاثة عقود مضت كومضة من التاريخ.. عصيّة على الأجوبة الواضحة، دولة ديمقراطية أو ديكتاتورية أو هجينية، وعما إذا كان رئيسها «بوتين» الذى يحكمها دون منازع لعشرين عامًا ونيف، منذ وصوله للسلطة، فارسًا نبيلًا أم شيطانًا، وما الذى سوف يحدث لروسيا بعد عشرة أو خمسة عشر عامًا مقبلة حال استمرار «بوتين» فى الحكم كما يبدو، وعلى رأس نخبة نشأت تحررت من رق الأيديولوجيا منذ عهد «جورباتشوف»، أى ليسوا جبناء إلا من القبول القومى لحكم الفرد كرمز من رموز الهيبة الروسية، ما يمثل إشكالية لو استطاع بوتين حلها.. فسيدخل التاريخ الروسى باعتباره الزعيم الذى قد يعيد روسيا «الديمقراطية» إلى وضعها كدولة عظمى، الأمر الذى يوجه تحركاته الخارجية والداخلية نحو فصل جديد يلوح من خلاله بالتهديد بالحرب ضد معارضيه من الإمبرياليين عبر سلسلة يفتعلونها من الأزمات العسكرية والسياسية المتتالية من جورجيا إلى أوكرانيا إلى كازاخستان مثالًا فى الفضاء السوفيتى السابق، ناهيك عن سوريا، حيث تبدو الكلمة لبوتين وحده دون حكومة أو برلمان ولا حتى مؤتمر استشارى، وعلى غير ما كان يحدث فى الحقبة السوفيتية التى كانت تعود قرارات الزعيم إلى المكتب السياسى واللجنة المركزية للحزب الشيوعى، إذ يعتبر «بوتين» امتداد حلف «ناتو» نحو المحيط الحيوى الأوراسى لبلاده، عملًا استفزازيًّا يهدد أمنها، ما يدفعه باتجاه أعمال عسكرية وقائية، كما يتضح من خلال تحركاتها خلال العقدين الأخيرين، يشجعه على ذلك المتاعب الداخلية التى تعانيها الولايات المتحدة، فضلًا عن ارتباك علاقاتها مع حلفائها، ما يمثل نقطة ضعف أميركية تشابه ما سبق أن تجرعته روسيا خلال التسعينيات، الأمر الذى يسعى «بوتين» بقوة إلى توظيفه، بهدف عقد اتفاق أمنى جديد مع حلف شمال الأطلسى، وأوروبا، يتفادى صراعًا بينهما نهايته مفتوحة.. لا تقبل فيه روسيا سلامًا بأى ثمن، ما لم تؤمّن به حدودها.. ولو اضطرت فى هذه السبيل للقيام بتوجيه ضربة وقائية ضد أهداف تابعة لحلف «ناتو».. إذ تعتقد موسكو أنه ليس أكثر من امتداد للولايات المتحدة التى تعنيها التحركات الروسية تحديدًا، خاصة مع تردد بعض حلفاء «ناتو» فى قبول الإجراءات العقابية الأميركية على موسكو، إلا أن معارضة دولية واسعة النطاق تسعى واشنطن لتكوينها ضد موسكو.. قد تؤدى ربما إلى تراجع «بوتين» ليسقط عندئذ فى فخ من صنع يديه منذ رفض الانصياع لتجربة سلفه «يلتسين» الفوضوية مع الديمقراطية والحريات، باعتباره إياها ديمقراطية غير ناضجة تعوق أهداف تحركات روسيا الخارجية، وليسجل منذ ذلك التاريخ عدة نجاحات فى هذا المجال، ما دام يلقى تأييد مواطنيه من أنصار القوة العظمى، ومن دوائر الديمقراطية البيروقراطية بسيان، وإلى ما غير ذلك من ظروف جيدة أو سيئة ترافق المسار المتعرج للتطورات الروسية حتى نهاية المطاف مع «بوتين»، كقصة لم تنته بعد.
شريف عطية
7:32 ص, الأحد, 6 فبراير 22
End of current post