مهما اشتدّت المحن بالأوطان، تبقى الديمقراطية أفضل المناهج للانعتاق من ضبابية الدكتاتوريات السياسية والانقلابات العسكرية وما إليهما من مغامرات سوسيولوجية، ذلك من حيث محاسبة الانتخابات الدورية للنواب البرلمانيين.. والأحزاب السياسية، وتقصر الرئاسة على دورتين دون إدامتها مدى الحياة، وبحيث تعطى الأنظمة الديمقراطية للناخب حرية إعلان اختياره مثلما يجرى مؤخرًا فى دول “تحالف المشرق الجديد” (العراق- مصر- الأردن) من بعد ويلات أوتوقراطية بشكل أو آخر، ربما تيمنًا بديمقراطية لبنان رغم محدوديته فقد أصبح مركز الفكر العربى فى المنطقة، كما لم تمنع الحرب الأهلية بتوابعها من استئناف مواطنيه للنهج الديمقراطى حتى القيام بالانتفاضة السلمية أكتوبر 2019.. ليسطّر من خلالها صفحة جديدة تبدّت ملامحها، رغم الصعاب المتتالية الاقتصادية والأمنية، فيما أظهرته نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة مايو الحالى، عن رفض معظم اللبنانيين سيطرة الكتل السياسية التقليدية على المشهد السياسى لعقود طويلة، مع ما قد يسببه هذا التمرد على تحالفات المحاصصة من تعويق الاتفاق على تشكيل الرئاسات الثلاث الآتية (الحكومة- البرلمان وفى القصر الجمهوري).. إلا من إقدام شباب أكتوبر 2019 فى انتصار روحى ومعنوى لا أكثر، لتحدى الموروثات الانتخابية بحثًا عن طبقة سياسية جديدة تردّ عن لبنان صور الرعونة الحزبية والطائفية- الرافضة مفارقته- سواء من دعاة الفساد وحماته أو “العونيون” (التيار الوطنى الحر) الذى يقترب من حائط مسدود أو من احتكار “الثنائى الشيعى” لوضعية السلاح فى مواجهة شرائح واسعة من اللبنانيين، كمسألة تهدد من ناحية بنشوب حرب أهلية مجددًا، وإما إلى تجريب “حرب تموز 2006” قابلة للتكرار من ناحية أخرى، قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر بافتعال صراع مدمر مع إسرائيل التى تستأنف منذ 19 مايو الحالى بناء الجدار العازل مع لبنان، بحيث إن نسبة الأمل فى التغيير عمومًا إلى الأقل سوءًا، لا تزال ضئيلة، إذ إن الدعوات إلى الحوار- كضرورة للتوازن- تبدو فى مأزق لتعارضه مع مصلحة بعض المتحاورين، رهن ارتباطات خارجية تقف من بعد نتائج الانتخابات الأخيرة فى وجه المواطن اللبنانى الذى أصبح بدوره لاعبًا سياسيًّا لن يقبل من الآن فصاعدًا باختطاف “الأوليجاركية” الطائفية للسلطة فى بلاده، أو فى السماح لها بتجميل مخالبها للاستمساك بقرار الدولة، استكمالًا منها لما كان فى السابق من التسوية الرئاسية (عون 2016)، حتى فوزها بالأكثرية النيابية عام 2018، قبل عام من ظهور قوة جديدة تولدت- لا تزال- من رحم الثورة 2019، التى قدمت للبنانيين خيارًا آخر لا يتطابق فى ضوء رياح الانتخابات مع مشروع “إيران الكبرى”، التى تراجعت معه الأكثرية البرلمانية لحزب الله من 73 إلى 62 نائبًا، ذلك فيما فاز 15 نائبًا جديدًا أتوا بدورهم من الثورة، كتيار وطنى عابر للطوائف والمناطق، وليؤمن فوزهم ظهر كتلة انتخابية تضم مئات ألوف المقترعين، تعكس النسيج الوطنى لثورة لبنان المتزامنة- للمفارقة اللافتة- مع انتفاضة عراقية فى أكتوبر 2019، للحد من توغل النفوذ الإيرانى فى البلدين، ولتشكلا من ثم الناخب الأكبر الذى لولا التزوير والمال الانتخابى والبلطجة (الميليشياوية) لكان انكسار المحاصصات السياسية أعمق وأكبر، لولا الجماعات الخاضعة لإيران التى تلقّت فى العام الأخير ضربة مزدوجة فى بغداد وبيروت، كاثنتين من العواصم العربية الأربع التى تتباهى طهران بالسيطرة على قرارها الداخلى، إلا من دمشق وصنعاء حتى الآن، ولولا كون التعطيل الإيرانى سيد الموقف فى التوأمة البرلمانية لكل من العراق إلى لبنان، خاصة بالنسبة لتشكيل حكومة ذات أغلبية وطنية، بحيث قد يجوز القول بأن لا معنى لنتائج انتخاباتهما ما دامت الأحزاب التابعة لإيران تملك.. سلاحًا قادرًا لفرض سطوته على العملية السياسية، ما يدعو دول “تحالف المشرق الجديد”، وحال توسعه نحو الخليج، لأن يقدم مع المجتمع الدولى حزمة سريعة من المساعدات تعين ديمقراطية لبنان للخروج من شفا التهاوى إلى حافة التعافى
End of current post