تعود علاقة مصر المطردة فى السنوات الأخيرة مع الاتحاد الأوروبى إلى ما يزيد على قرنين من الزمان، منذ أن تشكّل النظام الدولى فى القرن 19، ثلاثة (أوروبيين) ضد واحد (الدولة العثمانية)، إذ كانت مصر آنئذ -كمستعمرة عثمانية- فى صدارة بحث البوصلة الإستراتيجية الأوروبية للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم- بالتوازي- إلى هزيمة العثمانيين، ابتداءً من قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر 1798 -1801حاملة المدفع والمطبعة، لتطيش طلقات المدافع فيما يبقى لها هدير المطابع تحمل للمبعوثين المصريين إلى فرنسا أنوار التحديث، إلا أن بريطانيا سرعان ما زاحمت الفرنسيين إلى مصر، سواء عبر معارك أسطوليهما أو من خلال حملة «فريزر 1804»، قبل أن يخلو وجه مصر للاحتلال البريطانى 1882، توطئة لتضامن الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية (مع روسيا القيصرية) فى الحرب العظمى 1914 لهزيمة وتفكيك الإمبراطورية العثمانية بمقتضى اتفاقية سايكس- بيكو 1916، وعلى طول الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين التى خرجت بريطانيا وفرنسا من ثانيتهما 1945 – منتصرتين- تجرّان من ورائهما أذيال الخيبة والفشل عن مستعمراتهما.. لصالح القطبية الثنائية الصاعدة إلى عنان النظام الدولى، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، فيما انقسمت أوروبا بينهما، وفى فلكهما، إلى انتهاء الحرب الباردة عشية عقد التسعينات الذى شهد بروز «الأحادية الأميركية» بجانب إعلان الوحدة السياسية والدستورية لدول الاتحاد الأوروبى، قبل أن تتجدد مؤخرًا الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، ذلك فيما لا تزال قراءة تاريخ الشرق الأوسط منحصرة فى سياقه القديم، ما يقتضى إعادة سرد الأحداث لما بعد تلك الحقب التى تفككت فيها إمبراطوريات لصالح نمو سلالات إقليمية تتطلع إلى إحياء أمجادها الغابرة، وبحيث بات الشرق الأوسط الجديد موضع جدل لا ينتهى ما بين المتطرفين ومن خلفها سياسات قوى عظمى تستوجب- دون جدوى- إدانة الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن، ما يؤدى إلى وجود فراغ إستراتيجى فى الشرق الأوسط، يقتضى لأوروبا التدخل فى مناطق نفوذها التقليدية القديمة، لملئه، خاصة مع متاخمتهما القارية إذ تطالهما الصواريخ متوسطة المدى حال انطلاقها بين بعضهما البعض، ناهيك عن تعرضهما لتوابع مشتركة من الإرهاب المتنقل بينهما، ما يدفع إلى مقاربات ملحوظة بين كل من فرنسا وبريطانيا تحديدًا، بوصفهما الأكثر تعرضًا للإرهاب، وبين مصر باعتبارها تمثل أكثر من غيرها «رمانة الميزان» للاستقرار الإقليمى، خاصة مع استضافتها نحو 6 ملايين مهاجر.. لم يخرج منها مركب هجرة واحد «غير شرعية» فى اتجاه أوروبا، ما يعوض انسحاب مراكز القوى الدولية والإقليمية من مواقع نفوذها أو مسئولياتها، ما يقتضى لمراكز قوى موازية أو أصغر التدخل لملء الفراغ الإستراتيجى الناشئ فى الشرق الأوسط، ومصر فى مركز الدائرة منه، ما يهدد باختلال لا يهدد دول المنطقة أو الدول العربية فحسب، بل يمتد إلى نطاقات أوسع وأكبر من ذلك، وما بين الدول الواقعة بين روسيا وأوروبا، وعلى أطرافهما، أى أنها ليست مقصورة على منطقة بعينها، ذلك مع أهمية التعاون المصري- الأوروبى، خاصة مع باريس ولندن وبرلين، إذ يبرز دور مصر «الوصلة» بين شرق وغرب البحر المتوسط.. والذى يعتبر المفتاح الأساسى للمنظومة الأوروبية- العربية 5+5 بين دول ضفتى «المتوسط» الشمالية والجنوبية، ذلك كتطور يمثل العلاقة الأوثق لمصر «العربية» ولدورها فى العقل الإستراتيجى الأوروبى.
شريف عطية
7:18 ص, الخميس, 18 نوفمبر 21
End of current post