خواطر مواطن مهموم (79)

خواطر مواطن مهموم (79)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

5:12 ص, الأحد, 28 فبراير 21

روسيا والغرب

قد يكون من الضرورى متابعة تفاصيل المفاوضات التى تمت بين الدول الغربية والاتحاد السوفييتي/ روسيا لكى نفهم الوضع الحالي، ولكننا لن نفعلها، مكتفين بالتركيز على الفروق والتناقضات بين مدركات المعسكرين، وهى فروق لم ينتبه إليها الغرب عندما كان ذلك ضروريًّا.

بالنسبة للغرب، تحرر دول شرق أوروبا وانفصال الجمهوريات التى ضُمّت إلى الاتحاد السوفييتي- ضُمّت ولم تنضمّ طواعية- كان حدثًا «مبهجًا» و»عودة إلى الطبيعي» و»التحاقًا بالعصر»… عصر الدولة الأمة الذى حلّ محلّ عصر الإمبراطوريات. وكانت اللحظة لحظة انتصار الأنظمة الجامعة بين الديمقراطية التمثيلية والرأسمالية، والداعية إلى دين جديد هو حقوق الإنسان. وكتب فوكوياما ممجدًا لهذه اللحظة، واصفًا إياها بأنها نهاية التاريخ. وبالمناسبة كتابه مدخل مهم لفكر كلّ من هيجل وآدم سميث رغم سوء توظيفهما من قِبله.

بالنسبة للنخبة السوفيتية وللشعب الروسي، الوضع كان مختلفًا… ما حدث من انهيار ليس نتيجة منطقية ولا حتمية لحركة التاريخ، ولا يصلح دليلًا على تفوق النموذج الغربي. وخير دليل على ذلك، وفقًا لهذا الرأي، أن النظام الشيوعى الصينى عاش وقاد أعـظم نهضة فى تاريخ العصر الحديث… وبات منافسًا قويًّا للولايات المتحدة… الانهيار السوفيتى لا دخلَ للغرب فيه، بل هو نتيجة الأداء الكارثى للقيادة السوفيتية المتمثلة فى ميخائيل جورباتشوف. طبعًا النظام كان يمر بأزمة قاسية، ولكن الصين عرفت كيف تتعامل مع مثلها. أما جورباتشوف فأشرف على تفكيك المعسكر الشرقى وعلى انهيار الاتحاد السوفييتي. والمحصلة النهائية أن روسيا، ولأول مرة فى قرون، خسرت أراضي– ملايين من الكيلومترات. وخسرت السيادة على ملايين من الرءوس. ولأول مرة فى قرون وجدنا ملايين من الروس يعيشون فى أقاليمَ لم تعد تخضع لروسيا، أصبحوا فيها أقليات تشك السلطات فى الدول حديثة النشأة، فى ولائها وتتصرف معها على هذا الأساس.

نستطيع أن نعذر ونفهم المعاداة الروسية القوية لخطاب حقوق الإنسان والقناعة بأن المروّجين له منافقون، ففى الاتحاد السوفييتى شَرْعن هذا الخطاب تفكك الدولة وضياع أراضٍ، ولم ينتبه الكثيرون إلى وضع الروس فى الدول المستقلة حديثًا.

وفى العقدين اللذين تليا انهيار المعسكر الشرقى غلب منطق الاقتصاد، وطغى على كل المجالات. الدول كانت تُقيَّم وفقًا لأدائها الاقتصادي، لا وفقًا لقوتها العسكرية، ومن ثم كانت الدول الغربية تميل إلى التقليل من شأن روسيا بطريقة مُهينة. فاقتصادها فى حجم اقتصاد إسبانيا. وعلى سبيل المثال قال الرئيس أوباما مرارًا إن روسيا قوة إقليمية. وهذا التصريح الذى كرره كثيرًا غير دقيق وغبي… لأنه مُهين بلا داعٍ. القوة الإقليمية الروسية ما زالت الوحيدة التى تستطيع نظريًّا أن تزيل الولايات المتحدة من الخريطة…

جاء أداء الرئيس يلتسين ليزيد إحساس الروس بالمهانة؛ سكير مهرج غير قادر على نطق جمل لها معنى، ومتساهل مع كبار اللصوص، طبعًا لا يمكن اختزال أدائه فى هذه الجملة، ولكن هذا هو الانطباع السائد!

فى هذا المناخ جاء قرار أو قرارات الناتو بالتوسع شرقًا، وبقبول انضمام دول أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق، إلى الحلف. على عكس الوعود الشفوية التى قدّمها الرئيس بوش، وبعد هذه القرارات اتخذ قرارات بنشر صواريخ فى تلك الدول، بزعم أنها لا تستهدف روسيا بل إيران.

كلامى السابق يوحى بأن الغرب مخطئ على طول الخط وليس هذا قصدي، الغربيون يشككون فى وجود شيء اسمه وعود شفوية، ويقولون إنهم وافقوا على ضم دول أوروبا الشرقية ولم يطلبوه، وأن رعب دول أوروبا الشرقية من المارد الروسى يفسره السلوك الروسي. روسيا لم تحاول طمأنتهم.

ويبدو فعلًا أن روسيا ترى أن الشعوب والدول المجاورة، عليها أن تخضع للهيمنة الروسية وألا تُقْدم على خطوة دون إذْن روسي.

(يتبع)

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية