المقارنة مع الدول الأخرى
الفكرة الرئيسة التى تحكم هذه المقالة وسابقتها تتلخص كالآتي: كل دولة فريدة؛ لأن «خلطة» خصالها فريدة، ولكن لها خصلة أو بعض الخصال المشتركة مع غيرها، ومن ثم المقارنة ممكنة، وأحيانًا واجبة، ولكن الحرص والتأنّي واجبان أيضًا.
قلت إننى لا أحب المقارنة التقليدية مع كوريا أو اليابان، وتكلمت سريعًا عن المقارنة مع روسيا، وأكمل حديثي. المشترك بين البلدين هو العبء الأمني. حدود بالغة الاتساع (نسبيًّا فيما يتعلق بمصر)، وبعيدة عن التجمعات السكانية الكبرى، ويمكن القول إن الدولتين تجمعان بين القوة والفقر، نضيف إلى هذا حاكمًا قويًّا وجيشًا وأجهزة أمن قوية ودولة مركزية أقل قوة منهم، ودورًا هامًّا للمثقفين وأشباه المثقفين، وأوجه شبه كثيرة بين الأيديولوجيات الرائجة هنا وهناك، ومعاناة الطبقات الفقيرة من المرض والجهل والسلبية- كونها تثور مرة كل ثلاثين أو خمسين سنة لا يغير التشخيص. وبالمناسبة لن أدخل فى الجدل بين المؤرخين حول تقييم دور كل من الفقراء والطبقات الوسطى فى ثورات البلدين. وأخيرًا وليس آخرًا فى الحالتين، تساءل الخبراء عن إمكانية وصف كل من الدولتين بالدولة الريعية. والدولة الريعية هى دولة لا تعتبر فيها الضرائب التى يدفعها المواطنون مصدر دخلها الرئيس.
طبعًا هناك فوارق هامة. روسيا دولة إمبراطورية- لا تملك إمبراطورية بل هى إمبراطورية، مصر لها أحيانًا أحلام إمبراطورية، ولكنها لا تترجم إلا نادرًا سياسيًّا، روسيا تمتلك أسلحة الدمار الشامل ومقعدًا دائمًا فى مجلس الأمن، الطبقات الوسطى الروسية علمانية (ولا يعنى هذا أنها مُلحدة). علاقة الكنيسة الأرثوذكسية للحكم ليست كعلاقة الأزهر الشريف. هى أكثر خضوعًا للحاكم. حدود روسيا الجغرافية غير واضحة، تمددت بانتظام طوال قرون ثم انكمشت الدولة انكماشًا صادمًا مع نهاية الحرب الباردة. الدولتان تعانيان مشكلة سكانية: فى مصر الزيادة سريعة وثقيلة، وفى روسيا الانكماش السكانى صادم ويثير القلق. عرفت روسيا حروبًا شرسة، القرن الماضى، لا تقارَن بحروبنا، فهى أطول، وأعداد الموتى بالملايين، والدمار فى بعض المناطق كان شاملًا، والهجرة الداخلية القصرية أكبر. رغم استثناءات لامعة فإن إنتاج مثقفيهم وعلمائهم أرفع مستوى بكثير من إنتاج مثقفينا وعلمائنا. وأخيرًا وليس آخرًا فلم تعرف مصر نظام حكم كالنظام الشيوعي.
يمكن القول إن المقارنة بين الدولتين جائرة إنْ حصرنا أنفسنا فى دراسة أوضاعها فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولكن الطريقين اختلفا فى القرن العشرين وعادا يتشابهان حاليًّا. الفارق أن مثقفين ثوريين حكموا روسيا 70 سنة. فى مصر حكم المثقف كان أقل دموية بكثير وأقصر عمرًا. وبما أنه كان يؤمن بالتدرج فى التغيير المراد فإنه لم يدمر ما دمره الحكم السوفيتى، ولم يرتكب نفس المجازر.. إلخ. وفى المقابل فالمجمع الصناعى العسكرى فى روسيا أقوى، والتعليم أحسن، والعامل الروسى كفء.. إلخ.
من هذا العرض يتضح أننا نستطيع إجراء مقارنات فى ملفات، ورفضها فى ملفات أخرى، ويبدو لى من ناحية أن الدولتين تواجهان مشكلة الموازنة بين اعتبارات الأمن ومقتضيات الاقتصاد. فلنكنْ واضحين… المشكلة مشكلة دولية لا تخص مصر وروسيا فقط، ولكن الدولتين تعانيان كون عبء الأمن ثقيلًا جدًّا، مقارنة بإمكانياتهما، مما يعرِّضهما للدخول فى حلقة مفرغة… لا يمكن التقدم والنهوض دون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قويًّا دون أمن يجذب المستثمرين، ولكن متطلبات الأمن تؤثر على الاقتصاد. ليس بالمعنى الساذج أن المال المدفوع فى الأمن لا يذهب إلى الاقتصاد، بل بمعنى أن اعتبارات الأمن تقتضي أن تمنع بعض المستثمرين من التحكم فى الاقتصاد، أو من الاستثمار فى مجالٍ ما.. إلخ، والأمن قد يتطلب نوعًا من الحرص قبل إدخال بعض التكنولوجيات الضرورية للنشاط الاقتصادى.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية