رد جديد على أسئلة قديمة
لماذا تقدَّم الغرب وتأخرنا نحن وغيرنا؟ هل يعود هذا إلى أسباب ثقافية أم إلى أسباب اقتصادية أم إلى الصدفة؟ السؤال قديم وحساس؛ لأن اتهام الثقافة والدين ليس بعيدًا. وفى حدود علمى، الرد الذى تقدَّم به الدكتور جوزيف هنريخ- كندى الجنسية وأستاذ بجامعة هارفارد- جديد تمامًا.
بصفةٍ عامة لا أحب الردود على مثل هذه الأسئلة التى تركز على عامل واحد دون غيره، ولذلك أقول إن تفسير هنريخ ليس كافيًا، ولكنه قطعًا ضرورى.
يقول هنريخ إن السبب الرئيس لتقدم الغرب هو تركه لزواج الأقارب، فمع بدايات القرن السابع الميلادى حاولت الكنيسة الكاثوليكية دفع المؤمنين إلى تركه نهائيًّا، وظلت تحثّ ملوك أوروبا على سنّ تشريعات تمنعه وتمنع إجبار المرأة على زواجٍ لا ترضى به، وباختصار تدخلت بقوةٍ للقضاء على عادات متأصلة، ولم تحسم هذه المعركة بسرعة، بل استغرقت مئات السنوات. الأنجلو ساكسون مثلًا لم يقضوا على الظواهر التى رفضتها الكنيسة قبل سنة ألف بعد الميلاد.
القضية ليست فقط قضية جينات، بل هى أولًا وقبل كل شيء قضية ثقافية وممارسات اجتماعية، منع زواج الأقارب يجبر العائلة والقبيلة على الانفتاح على الغير، وعلى عدم الاعتداء عليه، وعلى التعاون معه، وعلى الدخول معه فى معاملات اجتماعية وعائلية وتجارية عميقة وواسعة النطاق.
منع زواج الأقارب ومنع إجبار المرأة على الزواج تسبَّب فى ثورة هائلة حدثت دون ضجيج، فهو أدى إلى إضعاف كبير وحاسم للبنية القبلية والعائلية وللروابط غير المختارة، وفرَض على الكل تعلم كيفية تشكيل روابط جديدة مبنية على الرغبة والثقة، أو على أسس غير القرابة، وأدى المنع على المدى الطويل إلى ظهور الأسرة المشكَّلة من زوج وزوجة وأولاد والبعيدة عن الأقارب، وإلى منع تدخل العائلات الموسّعة فى شئون أبنائها وبناتها، وسهل بروز الدولة الأمة وقوى الرابطة القومية، وحث الكل على التحسن الأخلاقى وعلى الكسب المادى… ليكون أهلًا للزواج. وتدريجيًّا حلّ الإحساس بالذنب محل الإحساس بالعار، وأصبحت الثقة فى الغير وكيفية ترسيخها قضية محورية، ونمَت القدرة على تحليل شخصيات الآخرين بل على تحليل أغلب الظواهر، وتغير مفهوم العدل… والتغيرات فى بنية المجتمع شكّلت القاعدة الصلبة التى ارتكزت عليها المذاهب الدينية (البروتستانتية مثلًا)، والفكرية التى تقدس الفرد وحريته، وفى نهاية المطاف النظم الديمقراطية.
باختصارٍ يقول هنريخ إن تغيير النمط السائد فى الزواج، وهو تغيير تسببت فيه الكنيسة فى الغرب- دون أن يكون هذا من مقتضيات الإيمان بالمسيحية، أو حِكرًا عليها – أدى إلى تغيير عميق فى النفس البشرية، بل وفى طبيعتها وفى كل نسق اجتماعى، تغيير لم تقصده الكنيسة فى حد ذاته ولكنه من ثمار خياراتها.
لم تتسنّ لى قراءة الكتاب، بل اطلعت على تقاريرَ تتناوله، يقول أغلبها إنه اعتمد على كمٍّ هائل من البيانات والمعلومات والدراسات، وأن المادة التى جمعها تدعم بقوةٍ فكرتَه. ما هو واضحٌ أن فرضية الكتاب الرئيسة تهدم فرضيات قامت عليها علوم اجتماعية، والقراءة التقليدية للتاريخ، فليس صحيحًا مثلًا أن النفس البشرية واحدة فى كل المجتمعات، كما يفترض الاقتصاد وغيره من العلوم، وليس صحيحًا أن النهضة الأوروبية بدأت فى العصر المسمى بعصر النهضة، أو فى عصر التنوير الذى تلاه، بل قبلهما بفترة طويلة، وفى المقابل هذه الرؤية تدعم مَن يقول إن الكنيسة الكاثوليكية أوجدت الأسباب التى أدّت إلى تهميشها التدريجى فى الغرب.
لا أعرف إن كان منع زواج الأقارب ممكنًا أو مرغوبًا فيه (الحضارة الغربية ليست خيرًا كله)، ولكننى متأكد أن أى نهضة ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية تقتضى تغيير ممارسات المجتمع ضد المرأة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية