الخصوصية المصرية، الشخصية المصرية، الهوية المصرية.. مصطلحات تشير إلى حقائق لكن توظيفها السياسى قد يكون غير بريء، إذ يستخدم الحقائق التى تشير إليها تلك المفاهيم لإضفاء شرعية على رسائل مسمومة. منها مثلًا أن تاريخ وتجارب الدول الأخرى لا تعلمنا شيئًا، وأن ما نفع هناك لن ينفع عندنا، وطبعًا هذا صحيح أحيانًا وخطأ أحيانًا، والمضحك أن من يقول هذا يقول فى الوقت نفسه أننا قدوة لغيرنا وأنه يتعين على العالم أن يتعلم منا. ومرة أخرى تجربتنا فى بعض الملفات رائدة وفى ملفات أخرى فاشلة.
رسالة مسمومة أخرى ترى أن الهوية تفرض عليك قيودًا كثيرة، فى سلوكك وفى ذوقك وثيابك وفى نوعيات الفنون التى تحبها وفى قراءاتك وفى تفسيرك للدين.. إلخ. هذا التفسير للدين وافد، هذا اللبس وافد، إلخ. أتذكر جيدًا أننى اعترفت مرة لصديق تلو الآخر… قلت لهم إننى لا أحب عبد الوهاب… قال أغلبهم إنه من «الواضح أننى لست مصريًا».
أحب أن أشدد جدًا على كونى لا أتصور مجتمعًا دون قيود على خيارات أعضائه، وعلى كونى من المحافظين فى مجالات عديدة، منها الفكر السياسى والحريات، وتفسيرى لدينى خليط من المحافظة والتجديد. ما أقوله إن الشيء إن زاد عن حده انقلب إلى ضده.
العولمة أعطت قوة دافعة جديدة للوافد، العلمى والفكرى والتكنولوجى والثقافى والمالى وغيره، هجرة المصريين للخارج أجبرت الكل على التعامل مع الوافد، الشيء نفسه يقال بالنسبة للسياحة والتعليم… فئات المجتمع وأجهزة الدولة تتعامل مع الوافد، الكل وفقًا لاحتياجاته وتصوراته.
هذا التعامل قد يؤدى إلى نتائج محمودة يجب البناء عليها، أو إلى نتائج سلبية تجب محاربتها، أو إلى نتائج سلبية تكلفة إزالتها أكبر من ضررها، والحالة الغالبة هى أن حصاد التعامل مع العولمة حمّال أوجه، والاختلاف حوله عميق لا يمكن تجسيره. ما يمكن قوله إن سؤال الهوية له تأثير على التقييم أميل بقوة إلى اعتباره سلبيًا دائمًا.
على العموم ما دفعنى إلى الكتابة هى الرسالة الأولى. هل حقيقى أننا لا نستطيع أن نتعلم شيئًا من تجارب وتاريخ الأمم الأخرى. وهل حقيقى أن المقارنة بين المجتمعات المختلفة ومسارها التاريخى مستحيلة أو على الأقل لا تجدي؟
كمقدمة لا بد منها أقول إننى أرى يوميا… على المواقع الاجتماعية وفى إطار عملى بجامعات توابع كارثة الغياب التام للثقافة التاريخية، وطنية كانت أم إقليمية أم عالمية. أواسى نفسى قائلًا بإن المرض ليس مصريًا فحسب، بل فرنسيا وأمريكيا وروسيا وعالميا، وكتب تدريس التاريخ فى فرنسا كارثية بكل المقاييس، ولكن حالنا أسوأ.
ومرة أخرى لست من أنصار مدرسة ما بعد الحداثة التى لا تترك بطلًا أو رمزًا دون أن تشوهه، ولا عملًا بطوليا دون أن تسفهه، ولا إنجازًا دون أن تحط منه. أسوق أمثلة بعيدة عنا… دراسات تحط من الزعيم الهندى المهاتما غاندى لأنه لم يراع التنوع اللغوى للهند وتحدث دائما باللغة التى يجيدها. دراسات تطالب بمنع تدريس فكر أفلاطون لأن فى كتبه جملاً سخيفة فى حق شعب أو آخر… وطبعاً الأمثلة لا تعد ولا تحصى وتصلح لتحرير كتاب كوميدى لن أكتبه، حتى لا أغذى من حيث لا أدرى العداوة للحياة الفكرية.
التاريخ عندنا يصورنا كأننا معصومون من الخطأ، كل رموزنا أبطال يصنعون المعجزات، شعبنا أذكى شعوب العالم، إنجازاته خارقة، أتفق دائمًا على تحديد أولوياته. باقى البشرية أقل منا مقامًا وخلقًا، تاريخنا وفقًا لكتبنا ملحمة دائمة لا مكان فيه لأشخاص عاديين أو لحياة طبيعية. إن كنا عظماء فكيف يمكن تفسير تخلفنا؟ نفسره بوجود خونة ومؤامرات.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية