خواطر مواطن مهموم 208 عن التسعينيات فى أوروبا (3)

خواطر مواطن مهموم 208 عن التسعينيات فى أوروبا (3)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

10:14 ص, الأحد, 17 سبتمبر 23

أكتب هذه السلسلة من المقالات، فى محاولةٍ منى لشرح عالم اليوم، ولتفنيد الروايات التى ترى أن سلوك الولايات المتحدة هو المسئول الأول والثانى والثالث عن الغزو الروسى لأوكرانيا، فى قلب عجيب وصفيق للحقائق، ووفقًا لهذه الرواية تعاملت روسيا مع الولايات المتحدة بحسن نية أثناء حقبة امتدت من 1985 إلى 2011/2007 وكان الحصاد مرًّا، واستغلّت واشنطن بخبث وعدوانية حسن النية الروسي، وتمددت شرقًا وطوّرت تهديدها العسكرى وضمّت أعضاء جددًا للناتو لإيذاء روسيا.

وتضيف روسيا مخاطبة ود العالم الثالث أن الغرب فرض قواعد لعبة تخدم مصالحه وتكرِّس هيمنته وتسمح له بالتدخل فى الشئون الداخلية للجميع ونَصب نفسه شرطيًّا يؤدب وتبجّح وأطلق على المنظومة اسم «نظام دولى قائم على قواعد قانونية»، ولم يلتزم الغرب نفسه بالقواعد التى أقامها عندما تعارضت ومصالحه، ويحاول النظام الروسى تصوير عدوانه على أوكرانيا وكأنه المعركة الأولى والأهم فى حرب تحرير كونية تقضى على النفوذ الغربى وتقيم نظامًا عالميًّا أكثر عدلًا.

هذه السلسلة تختبر صحة ودقة ما ورد فى الفقرة الأولى، وتروى ما حدث فى أوروبا بعد انهيار المعسكر الشيوعي، قد أخطئ فى تقييمى للوقائع، ولكننى لن أقوم بتزييفها وقَلبها. وأعلِّق تعليقًا سريعًا على محتوى الفقرة الثانية. لا شك أن الغرب يهيمن على النظام الدولي، وأنه أساء استخدام هذه الهيمنة مرات ومرات، وارتكب عددًا معتبرًا من الجرائم، ولكن هناك من يتصدى لهذه الهيمنة مطالبًا باحترام قواعد القانون الدولى فى كل الأحوال والمناطق والظروف، وهناك من يريد تعديلها لتكون أكثر عدلًا وأدقّ تعبيرًا عن التعددية البشرية والاجتماعية، وأكثر احترامًا لسيادة الدول، وهناك من يريد أن تسود شريعة الغابة والتخلى عن كل الالتزامات الدولية التى تعوق عمله وإحياء مشروع استعمارى يحتلّ بلادًا ويحقق أمنه بتدمير وإخضاع دول جواره. ولا يجوز وضع كل هؤلاء فى السلة نفسها.

وفى السياسة يجوز التحالف مع الشيطان فى عدد كبير من الأحوال – وليس دائمًا، وبالمناسبة الكلام عن «مصالح دائمة» يحتاج إلى تدقيق، فهناك فعلًا مصالح دائمة، ولكن أغلب المصالح تتغير مع الزمن، ولكل دولة مصالح تتناقض فيما بينها. ولكن التحالف مع الشيطان لا يعنى تصديق كل ما يقوله من أكاذيب.

وهناك فِرق مختلفة من الخبراء تنتمى إلى المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية. موقفى منها هو الآتي… أتفق والقول إن العدل يحتاج إلى ذراع قوية تحميه، وأن كونك صاحب حق لن يعينك فى شيء إن لم تكن قويًّا، أو قادرًا على أن تصبح قويًّا بسرعة، وهذا يفترض أنك لم تفقد المهارات التقنية والقتالية والعقيدة وروح الجندية، ولكننى أختلف مع من يرى أن العدل وهمٌ فى مجال العلاقات الدولية، وأن الحق مفهوم خالٍ من أى مضمون، وأن المبادئ شعارات جوفاء لا وظيفة لها سوى الخداع. على من يقول هذا الكلام أن يقبل استعمار القوى للضعيف وقيامه بمذابح وارتكابه شتى أنواع الجرائم. وعليه أن يتذكر أن مصر دولة قوية جدًّا، ولكن هناك من هو أقوى منها. على الدول التى عانت من ويلات الاستعمار ألا تنسى أبدًا أن لها مصلحة فى نظام عادل.

الحديث السابق مجرد مقدمة لا تغطى كل جوانب قضية العلاقة بين العدل والحقوق والمبادئ والسياسة الدولية، على سبيل المثال تحقيق سلام عادل أمر ليس دائمًا سهلًا، فى أحوال ليست بالقليلة عليك الاختيار بين السلام والعدل، وهناك قطعًا عدد مهول من الحالات يكون تحديد الحل العادل فيها مستحيلًا.

جملة أخيرة ضرورية. نحن بشر نخطئ ونصيب، ولا يوجد مجتمع مثالي، لكل مجتمع مثالب، ولكل شعب نقاط سوداء فى تاريخه. لكن هناك مجتمعات أحسن أو أسوأ من غيرها، علينا أن نحذر من ميل الجلاد إلى شيطنة ضحيته. لكل مجتمع الحق فى الحياة.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية عقب اعتذارها عن إدارته