خواطر مواطن مهموم (189)

خواطر مواطن مهموم (189)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:07 ص, الأحد, 7 مايو 23

مع عمالقة العلوم السياسية الفرنسيين فى الثمانينات (6)

لا يكتمل ذكر دور أستاذى ومعلمى جان لوكا، دون أن أقول إنه يتحمل قدرًا من المسئولية فى تدهور مستوى أساتذة العلوم السياسية، ودون دخول فى التفاصيل، أعتقد أنه، بصفة عامة، لم يوفَّق فى اختيار مَن سيستفيد من دعمه، وكانت دوافعه نبيلة ولكنها أسفرت عن نتائج غير محمودة.

أتذكر جيدًا أول محاضرتين فى المعهد… الأولى كانت للأستاذ الدكتور ألفريد جروسير، وكان، أيامها، أعظم خبير فى الشئون الألمانية، ومن المهتمين بالعلاقة بين الأخلاق والسياسة، ولاحظت، فيما بعد، كم كان طلابه منقسمين حول تقييم محاضراته وعطائه، كان يحاضر واقفًا بابتسامة عريضة يقول جملة جادة، وتتبعها نكتة، ويُنهى النكتة بإخراج لسانه ساخرًا مختالًا. الجملة الجادة كانت دائمًا عميقة، والفكاهة كانت دائمًا مضحكة، وأحيانًا كانت حاملة لرسالة، وكان أحيانًا يَسخر من نفسه، أو يفتخر بأدائه فى جملة تأخذ شكل النكتة تسمح لنا بقبول المديح الذاتي.

أتذكر عددًا من الجمل… قال: دخلنا فى مرحلة تاريخية يمكن أن نشاهد فيها طالبًا كنديًّا من أصول فنزويلية، متزوجًا من صينية يحضر فى باريس، وتحت إشراف أستاذ أصوله يهودية ألمانية- أنا يا حمير- رسالة دكتوراة عن المدركات السوفييتية عن التخطيط الاقتصادى الهندي، وطبعًا كفاءاتى فى تناول هذا الموضوع الشائك والمحورى معترف بها دوليًّا وفى الكواكب الأخرى، وأخرج لسانه.

وعندما يعلِّق على الأحداث الجارية يبدأ قائلًا… كدت أقول ما سأقوله الآن، عندما اشتركت فى حلقة نقاشية، أمس، على القناة الثانية، وهى حلقة شاهدها 18 مليون فرنسي، لكن التصفيق الحارّ لجمهور الطلبة الحاضرين فى الاستديو، تعليقًا على جملتى السابقة، قاطعنى ومنعنى من التكملة، ويُخرِج لسانه.

وخرجت منبهرًا، تعلمت الكثير، فالجمل الجادة كانت فى غاية العمق، وضحكت كثيرًا أيضًا، وقلت لنفسى ولزميلة فرنسية فيتنامية: هذا أفضل أستاذ حضرت له فى حياتي. وكتمت الزميلة ضحكة وقالت لي: لا تتعجل، ستغير رأيك، اليوم.

وفى الواقع غيّرت رأيى بعد ساعة أو أقل!

المحاضرة التالية كانت لجورج لافو… عملاق العمالقة، دخل بسرعة خاطفة، ووجهه كله جدية، كان أنيقًا ولكنها أناقة ترمى إلى عدم لفت الأنظار، على عكس أناقة جروسير البهية الفخمة، وجلس، ووضع أمامه وُريقة عليها بعض الكلمات، وأمسك طرفى المكتب- وكان طويلًا- بيديه، ووضع ذقنه على المكتب، وبدا شديد التركيز، وبدأ الكلام بصوت واضح، وساد السكوت والذهول. فهمنا أننا فى حضرة نبى أو كاهن عظيم أو عملاق لا مثيل له.

لا يلجأ إلى البلاغة، ولا يستخدم تشبيهات ولا نعوتًا ولا أى ظرف، جمل قصيرة بسيطة حادّة واضحة عارية تتناول قضية عيوب الديمقراطية، وتعرض لمذاهب فلسفية وتقارن بينها. أسلوب سهل ممتنع، يتكلم ببطء يتيح تدوين ما يقوله، ولكنه لا يكرر كلامه، نظرت إلى زملائى مرة ثانية، الكل كان يكتب ويدوِّن فى سكوت وسكون مطلقين. وبعد “ساعة وربع” من التناول الجامع المانع الثرى توقّف وسأل لو لدينا أسئلة. كنت أريد أن أستوضح بعض الأمور، ولكن شابًّا يبدو عليه الذكاء والغطرسة انطلق قائلًا… كما تعلم يا جورج (!!!) أعمل فى مكتب وزير التخطيط (ميشيل روكار وأصبح فيما بعد رئيسًا للوزارة)، وموقعى حساس، وأرجو ألا يخرج الكلام من هذه القاعة، ولكننى أقول إن خبرتى الواسعة تدفعنى إلى القول إن كلامك صحيح، وكل ما أشاهده يدعمه، وأسوق أمثلة… وظلّ يتكلم طوال ربع الساعة الأخيرة، وأنهى كلامه قائلًا: ما رأيك فى كلامى يا جورج…

نظر إليه الأستاذ وقال… حضرتك متصور أننى استمعت، لا أستمع لمن يتكلم عن خبرته الواسعة وهو لم يبلغ بعدُ الخمسة والعشرين عامًا… وساد الوجوم والابتسامات. ولمدة شهر، لم أجرؤ على أن أسأل أى سؤال، وسبحان مغيِّر الأحوال، عدت إلى البيت مدركًا مَن منهما العملاق.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية