خواطر مواطن مهموم (188)

خواطر مواطن مهموم (188)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:54 ص, الأحد, 30 أبريل 23

مع الجامعيين العمالقة (5)

فى مطلع القرن الحادى والعشرين أراد الصديق الصدوق الدكتور جيل دولانوا جمع مقالات ودراسات كل من جان لوكا وجورج لافو فى كتابين، واحد لكل منهما، ورفض ابن جورج لافو – لافو توفاه الله فى مطلع التسعينات – رفضًا باتًّا وجافًّا لأسباب شخصية، أما لوكا فقد وافق وبدأ جيل التفاوض مع ناشر رحَّب بالفكرة، ولكنه اشترط منه ومنا إعادة كتابة المقالات والدراسات لتبسيط لغة العملاق الصعبة والمعقدة، واتفق جيل معى ومع الأستاذ الدكتور بيير أندريه تاجييف على اقتسام العمل، إلا أن لوكا غضب غضبًا شديدًا وقال إنه لو كان يريد أن يفهمه الحمير لاستخدم لغة سهلة، رغم أنه متأكد أنهم لن يفهموا.

وكان لوكا لاذعًا يخلق لنفسه عداوات دون داعٍ، أذكر أنه رأس فى النصف الثانى للتسعينات لجنة مناقشة رسالة دكتوراه لن أحدد موضوعها لكى لا يتمكن القارئ من تحديد صاحبها، وكنت قد استغربت من قبول لوكا هذه المهمة، فكنت أعرف رأيه فى صاحب الرسالة، ولكننى لم أفاتحه فى الأمر.

وفى فرنسا، رئيس اللجنة آخِر من يتكلم، والمشرف على الرسالة أول من يتكلم، المشرف يعرض جهد الباحث وأهمية عمله، ويحاول تخمين الانتقادات التى يمكن أن توجَّه إلى الرسالة، ويذكرها بصورة مخففة ليقطع الطريق على بقية أعضاء اللجنة. ولا أعرف بالضبط ما الوضع فى مصر، ولكننى أظن أن العُرف جرى على عكس هذا.

المهم… لوكا كان آخِر المتكلمين، وافتتح كلامه قائلًا… قبل أن أتناول “القرف” الذى كتبته، أريد أن أقول إن مواهبك ومستواك فى العلوم السياسية كمواهبى وأدائى فى سباق الـ110 أمتار حواجز… وكان لوكا أيامها سمينًا جدًّا. ودمّر كل مقولات الرسالة. وبعدها بـ15 سنة تقريبًا جاء يشكو لي… فلان (الضحية إياها) أصبح قطبًا من أقطاب معهد العلوم السياسية، ولا يدعونى إلى المحاضرات والمؤتمرات وورش العمل… رغم أننى كنت رئيس لجنته… وكأننى جنيت عليه. قلت له قامعًا ضحكة: هو ناكر للجميل، يا أستاذي…

والقضية مُحزنة، يتفادى أغلب أقطاب معهد العلوم السياسية دعوة لوكا إلى المشاركة فى الفعاليات، فهم يعرفون أن مستواهم أقل من مستواه بكثير، وأنه لن يجاملهم، وأنه يمكن أن يحوّلهم إلى أضحوكة أمام طلابهم، وكُتب على لوكا التقدم فى السن وحيدًا، يقرأ ويكتب ويجتهد ويشاهد ويعجز عن تخطى الحواجز التى أقامها تلاميذه ليمنعوا تواجده. وإلى جانب البعد الأخلاقى المؤسف، فإننى أعتبر هذا جناية فى حق الطلبة.

وكنت قد نجحت – نجاحاتى قليلة وأتذكرها – فى إقناع منظمى مؤتمر فرنسى مصري، عُقد فى القاهرة منذ ست أو سبع سنوات، بضرورة دعوة كل من جان لوكا وميشيل كامو – عملاق آخر – رغم بلوغهما الثمانين من عمرهما. وكانت حجتى قوية… وسخيفة… إن أردتم حضور عمالقة العلوم السياسية والاجتماعية المصريين، فعليكم دعوة هؤلاء. وأعتقد أننى خدمت الطلبة وغيرهم بفعلتي… وكان الثنائى مبهرًا ممتعًا.

من الصعب حصر إسهامات لوكا الفكرية، أكتفى بالقول إنه كان من أشدّ المعجبين بالمفكر البريطانى الروسى اليهودى إيزايا برلين، وهو من أهم مُنظّرى الليبرالية السياسية فى القرن العشرين، ويعتبره الأستاذ – وأرى رأيه – أهم من كارل بوبر ومن رولز…الفكرة الرئيسة لبرلين هى أنه لا توجد صيغة معروفة لمجتمع مثالي؛ لأن كل شعب يؤمن بقيم لها قدسيتها أو احترامها، وكل منها يستحق التقديس والتفعيل.. ولكن لا يستطيع أحد تفعيل كل القيم فى آن واحد. إن كنت مؤمنًا بالحرية الكاملة، فعليك ألا تسعى إلى تحقيق المساواة… والعكس صحيح… إن كنت تريد الحد من التعسف والمحسوبية فى الترقية، فعليك إقرار مبدأ الأقدمية، ولكن إطلاق هذا المبدأ يعرِّضك لتمكين السيئين، وباختصار يرى برلين أن استحالة الكمال أكبر ضامن للحرية وللتسامح، فلا يوجد خيار مثالى يفرض نفسه على الجميع.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية